من أخلاق القرآن: الوصايا العشر ووصية لقمان (الحلقة الثانية) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان

من

لله

وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى: ولهذا الوصل معناه المناسب في هذا المقام؛ لأن القرابة مظنة العصبية قد تحمل القائل على أن لا يكون عادلا في قوله ميلا لنفع قريب فنبهت الآية إلى وجوب الالتزام بالصدق والعدل ولو كان الذي نقول عنه قريبا لنا، بل إنه تعالى قد فصل تلك الصلات التي من شأنها أن تميل بالناس إلى عدم العدل بصفة عامة سواء في أقوالهم وأفعالهم وما تعارفوا عليه فقال جلّ قائل في سورة النساء: يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمُ أَوِ الْوَالِدَيْن وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهِ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (135). فالله تعالى يأمرنا أن نعدل حتى مع أنفسنا بله الأقربين، ويحذرنا من اللي والإعرام عن ذلك، مهما كانت الاعتبارات النسبية أو الاجتماعية؛ لأن الله تعالى أحق

أن نخشاه.

وفي قمة السموّ الخلقي للمسلم أن يتوخى العدل حتى مع خصومه وأعدائه، وأن لا يتخذ من الخصومة والعداوة ذريعة للجور والظلم، ذلك ما نقرأه في سورة المائدة من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ اللَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَقَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرُم بِمَا تَعْمَلُونَ) (8).

أرأيتم إلى هذا السموّ الروحي، حين يلتزم المسلم بالعدل فلا يثنيه عنه قرابة ولا ولاء، ولا جاه ولا سلطان، ولا فقر ولا غنى والحافز لذلك كله هو تقوى الله: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.

بل الإسلام يذهب إلى أبعد من ذلك فى مسؤولية السلطة عند المسلمين أن تسعى لبسط العدل وحمايته بقوة الحديد والنار؛ لأن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن، فقال جل من قائل في سورة الحديد: ﴿لَقَدَ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (25).

102