من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١١٦من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
الذي لا التواء فيه ولا انحراف هو تشبيه لشيء معنوي بشيء محسوس مشاهد ذلك لأن أحكام الدين واضحة جلية في أصوله وفروعه، وأن الله تعالى أكمل دينه بالتمام وبيّنه الرسول أتم بيان وقال له: تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها»، ويؤيّد المقصود من الصّراط المستقيم بأنه دين الإسلام قوله تعالى في الآيات اللاحقة: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قَيِّمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 161).
والسير على الطريق المستقيم مضمون الغاية في الوصول إلى المقصد المنشود بدون تعب ولا مشقة وهو مأمون السير، لا خطر فيه من أخاديد أو فجوات، ولا خوف فيه من تحرّشات أو مضايقات؛ ذلك لأن مخططه ومعبده هو الله العليم الخبير، يعلم ما يصلح بعباده لخير معاشهم ومعادهم، بكل ما يشتمل عليه من أصول العقائد، وفروع العبادات وأحكام المعاملات ومن الأخلاق والآداب، لحمته الحق الذي لا تتعدّد فيه المناهج، وسداه العدل الإلهي الذي قامت عليه السماوات والأرض.
يقول الإمام شلتوت: «وفي التعبير عنه بضمير الواحد: صِرَاطِي والتعبير عما سواه بالجمع: السُّبُلَ إيحاء إلى أن الحق واحد لا تعدّد فيه، أما الباطل فذو صور شتى وأنحاء متعددة، فالحق منبعه الواقع، ومصدره الله، والباطل منابعه النفوس ومصادره الأهواء والشهوات». 82 وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ: إنها سبل الباطل المتشعبة، وتسمّى «بنيات الطريق»، يتيه سالكها في التواءاتها، ثم هي سبب التفرق، نهى الله عن اتباعها وحذر المسلمين مما أصاب الذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات. ولكن الواقع المرير الذي عاشه المسلمون بعد الفتنة الكبرى وبروز المذاهب والتعصب لها جعلهم شيعا كل حزب بما لديهم فرحون حتى أصبحوا نهبا للأعداء، وتحققت فيهم (الغثائية) التى تنبأ بها رسول الله، ولو أنهم امتثلوا أمر الله في هذه الآية الكريمة لمكن الله لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ولبدلهم من
81. رواه أحمد في المسند من حديث العرباض بن سارية رقم 17182: 126/ 4
82. محمود شلتوت، تفسير القرآن: ص 445.
116