من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٢٦من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
والاهتمام؛ لأنّها وصية رجل عادي لولده كما يفعل أحدنا بأولاده عندما ينصحهم ويرشدهم، ولعل لهذه الملاحظة شيئا من المعقولية عند النظرة العجلاء، غير أن
هذه الخاطرة ستتلاشى وتنمحي إذا ما استصحبنا في تأملنا المعطيات الآتية: أ لم تعد وصية لقمان كلاما عاديا بعد ما تنزّل بها قرآن يتلى، والراوي له هو رب العزة، فأصبحت لهذه الوصية قدسية القرآن وحقيته.
ب شهد الله بإيتاء الحكمة للقمان وهو القائل: ﴿وَمَنْ يُوتَ الْحِكْمَةَ فَقَدُ اوتِي خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: 269). وليس ذلك مخوّلا لكل الناس، بل هو منة يهبها لمن يشاء من عباده، وهو القائل: يُوتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ
من
الله
(البقرة: 269).
ج- إن لم يرق لقمان إلى درجة الأنبياء كما هو الأرجح فهو في عمله التربوي في تلقين تلك الحكمة إلى ولده يقوم بمهمة الأنبياء والرسل في التبليغ والإرشاد، أو لم يقل الله في شأن رسوله: هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ عَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي
ضَلالٍ مُّبِينٍ} (الجمعة: 2).
وقال أمير الشعراء في هذا المعنى:
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا أرأيت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفسنا وعقولا
فلا غضاضة إذن للمؤمن أن ينتفع بكل كلام صادق مفيد مما يتداوله الناس من كلام البلغاء، والحكماء والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أني وجدها. وتعد الآية الكريمة مقدّمة مناسبة لخصت الحكمة التي آتاها الله لقمان في قوله تعالى: أَنَّ اشْكُرْ الله. والشكر بمعناه الاصطلاحي في القرآن يأتي بمعنى الإيمان الخالص لله والعبادة له، معتقدا صحيحا وسلوكا عمليا نرجو به ما عند الله، وضدّه الكفر بنعم الله، قال تعالى: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَتَكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (إبراهيم: 7).
126