من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٢٧وصية لقمان
فحكمة لقمان ليست أقوالا فلسفية مجردة، بل هي ذلك الوازع الإيماني القوي الذي هداه إلى نور الله، وهيأه لعبادة ربه وطلب رضاه، فكان بذلك جديرا أن يعظ ولده بعد أن جعل له من نفسه القدوة الصالحة والأب المثالي الشفوق، امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم:6). وكل ما يقوم به العبد من الشكر لنعمة الله عليه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فإن نتيجة ذلك من الخير والنفع والصلاح لا تعود إلا إليه؛ لأنه تعالى غني عن عباده فلا تنفعه طاعتهم كما لا تضره معصيتهم. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (الذاريات: 56 - 57). وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الحميد) (فاطر:15). فالغنى والحمد صفتان ذاتيان لله تعالى لا يحتاج إلى شكر الشاكرين ولا حمد الحامدين بل له المنّة والفضل علينا بنعمة الإيجاد والخلق قبل أن يكون لنا شأن في هذه الحياة حتى نشكر أو نكفر. ولا شك أن لقمان كان بشهادة الله من أولئك الشاكرين لنعمة ربه، فبوأه تلك المنزلة بين الحكماء ممن يرجى نصحهم ويخلد ذكرهم.
في المعتقد: حق الله وحق الوالدين
أ- النص
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنَّ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبُهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنَ آنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} (13 - 16).
127