من أخلاق القرآن: الوصايا العشر ووصية لقمان (الحلقة الثانية) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

وصية لقمان

ج- البيان والتفسير

وصية لقمان لابنه تقدّم لنا نموذجا رائعا لما يجب أن تقوم عليه الأسرة المسلمة الطيبة من المودة والتكافل والتعاون سيما في القيام بأداة الحقوق المتبادلة بين جميع أفرادها من قمة هرمها المتمثلة في الوالدين إلى قاعدتها في الأولاد ومن دونهم من ذوي القربي.

ولئن بيّنا بتفصيل تلك الحقوق في الوصايا العشر، فإن في وصية لقمان بعض الزيادات الأخرى لابد من توضيحها وبيانها والقرآن يفسر بعضه بعضا كما يقول العلماء.

لأنعم

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: لقد عرفنا لقمان مكرّمًا من الله بما آتاه من الحكمة، وعرفناه شاكرا الله بإيمانه وتقواه وعمله بما يرضي الله، والأخيار من عباد الله لا يحتكرون الخير والصلاح لأنفسهم، بل هم يعملون بجد وإخلاص لنشر الخير ونصرة الحق في عباد الله، وأولى النّاس بذلك هم أهلوهم وذووهم، اتباعا لما أمر الله به رسوله في أول دعوته بمكة إذ قال له تعالى:

وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} (الشعراء: 214).

- لتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} (الشورى: 7).

وبعد أن يكون الواعظ الناصح مثالا يُقتدى به في أخلاقه وسلوكه، فإن وسيلته التعليمية لغيره لابد أن تعتمد على النطق باللسان لتقديم النصائح والإرشادات بما يتناسب مع مستوى المخاطبين، ولقمان إذ يمارس هذه المهمة مع ولده نجده مداومًا لها مستمرًا عليها حتى تتمكن وتتركز في النّفس، وذلك ما تفيده صيغة المضارع في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ ثم نجده ينادي ولده برفق ولطف: يَا بُنَي ليجذب انتباهه إلى ما يلقيه عليه من النصائح مستشيرا في نفسه مشاعر البنوّة اللطيفة ليكون ذلك أدعى للطاعة والامتثال. وبما أن بناء النفس المؤمنة بكل ما تتطلبه من الأخلاق والسجايا إنما ترتكز على أساس المعتقد الصحيح في المعبود الحق وهو الله تعالى، فقد بدأ لقمان بتركيز ذلك الأساس أوّلا، فنهى ولده عن الشرك بالله، وذلك هو منطلق الدعوات لجميع

129