من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٣٠من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
رسل
الله. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ
إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25).
ولم يقتصر لقمان على النهي المجرّد، بل أعقبه بالتعليل ليكون لكلامه كالدليل فقال: إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، استعمل المؤكدات «إن» و «اللام»، وَوَصَفَ الظلم بـ «عظيم»، وليس في ذلك ما يدلّ على أن الابن كان مشركا كما ذهب إليه بعض المفسرين؛ لأن الوعظ لا يقتصر بالضرورة على المشركين والكفّار، بل هو مطلوب لكلّ إنسان ولو كان مؤمنا؛ لأنّ الإنسان من طبعه الغفلة والنسيان. أو لم يأمر الله تعالى رسوله بقوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: 55). وقد يقتضي تذكير الناس أو الغافل أن يؤكد له الكلام ببعض المؤكدات ليستوعب ما يلقى إليه.
وكون الشرك ظلما عظيما؛ لأنه افتئات على الحق الذي قامت به السماوات والأرض، وظلم للنفس البشرية إذ أخذ الله عليها الميثاق أن لا تعبد إلا إياه، ويكفي في تصوير شقاء النفس المشركة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخَطَّفَهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج: 31)، فإذا كان الإنسان بالشرك ظالما لنفسه فهو لما سواه أظلم.
ولتركيز هذا المبدأ الأساسي في العقيدة إيمانا بوحدانية الله تعالى، وقبل أن يدعمها لقمان بما يصوّر علم الله وقدرته بقوله في ما بعد: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهُ
إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبيرٌ، قبل ذلك تأتي هذه الجملة المعترضة في بيان حق الوالد فقال: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنُ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. فالموصى هو الله، با نون العظمة وتضعيف الفعل) وصى»، والوصية هي أمر أحد بما يصلح له ونهيه مما يضره، والله لا يوصي عباده إلا بما يصلح شؤونهم في المعاش والمعاد، وبما أنّ الوصيّة بشخص ما تعني الاهتمام به، فقد استغنى عن
)
130