من أخلاق القرآن: الوصايا العشر ووصية لقمان (الحلقة الثانية) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٣١

وصية لقمان

ذلك

قوله هنا «حسنا». وقبل التنصيص على تلك الوصية بقوله تعالى: {أَنَّ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ تجيء هذه الجملة المعترضة بقوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ. تجيء لتقرر مضاعفة حق الأم على الولد لما عانته في حمله ثم في إرضاعه حتى الفطام، فبعد شمول الوصية بالشكر لهما معا ذكر الله اسم الأم وبيّن سبب استحقاقها لذلك الشكر من الولد، وفصل موجباته بما تتعرض له الأم من الوهن المتراكب على بعضه البعض منذ أن يتخلق الجنين في رحمها حتى يولد، ثم يستمر ذلك التعب في إرضاع الولد حتى فطامه بعد عامين، وقد فصلنا القول في ذلك عند تفسيرنا للوصايا العشر وسقنا الأحاديث الصحيحة التي تضاعف حق الأم على حق الأب بثلاث مرات. ولا يعني إهمالا لحق الأب، بل هو للتأكيد على مراعاة حق الأم التي قد يستضعف جانبها بعض الأولاد لما تمتاز به من رقة وحنان. ويبدأ نص الوصية بالشكر لله أولاً، ويثني بالوالدين؛ لأن حق الله له الأولية والأسبقية على كل حق، إذ هو الخالق للوالدين والولد، وهو المنعم عليهم جميعا، فكان من مقتضيات الإيمان ومن أخلاقيات المسلم أن تصل كل أعمال البر بالآخرين عن طريق الله وفاء بالميثاق الذي يصل العبد بربه، ولذلك جاء هذا التذييل المناسب بقوله تعالى: إِلَيَّ الْمَصِيرُ. فما دامت نهايتنا إليه كما كانت بدايتنا منه، فينبغي أن تمر مراحل حياتنا في الطريق الذي رسمه لنا حتى نحقق ما أمر به رسوله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبذَالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمينَ) (الأنعام: 162 - 163). ثم قال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنَ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.

مهما تكرر في القرآن الأمر بالإحسان إلى الوالدين، فقد تتعارض طاعتهما مع طاعة الله باختيارهما للكفر والشرك، أو بقاء أحدهما عليه كما حدث لبعض الصحابة -رضوان الله عليهم في مكة، ففي هذه الحالة تؤكد هذه الآية ما أوحت به الآية السابقة، من أنّ حق الله تعالى مقدّم على كلّ حق، فعلى الولد المؤمن أن

131