من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٣٢من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
يعصي والديه إذا أمراه بمعصية الله أو استقصيا جهدهما في حمل ولدهما على الشرك بالله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
غير أن الظروف المكية القاسية التي كان يعيشها المسلمون اقتضت هذا الإرشاد الإلهي بمصاحبة الولد المؤمن لوالديه الكافرين، بالمعروف، أي بأن يعاشرهما بالحسنى وبالإنفاق عليهما وخدمتهما. وقوله تعالى: في الدُّنْيَا، لتغطية المدة التي تستمر عليها تلك الحالة حتى تتغير في يوم من الأيام. وللأستاذ محمد قطب ملحظ دقيق في المقارنة بين هذه الآية والتي سبقتها في سورة العنكبوت إذ قال: «ويلفت نظرنا أن الأمر المشابه لذلك والوارد في الآيات الأولى من سورة العنكبوت وهي آيات مدنية في سورة مكية لم تأمر في المدينة بهذه المصاحبة: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (العنكبوت:8)، فالأمر بالمصاحبة بالمعروف كان في المجتمع المكي الذي لم ينفصل فيه المسلمون انفصالا حسّيا إنما كانت مفاصلة شعورية فحسب، أمّا في المدينة فقد انفصل المجتمع المسلم انفصالا كاملا وصار له تميزه الحسي والمعنوي 88.
قلت: ويؤيد ذلك ما جاء في سورة المجادلة، وهي مدنية، في قوله تعالى: ﴿لاً تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّه وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوَ أَبْنَاءَهُم أَوِ اخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمُ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحِ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أَوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: 22). ثم قال تعالى في إرشاد الولد: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنَ آنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. لم يقتصر الإرشاد الإلهي للولد على الأمر السلبي بنهيه عن طاعة الوالدين الأمرين له بالشرك، بل أكمل إرشاده بأمره أن يتبع سبيل المنيبين إلى
88. محمد قطب دراسات قرآنية: ص 201.
الله، وهم
132