من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٣٣وصية لقمان
الرسول وأصحابه وكل الصلحاء والأتقياء في كل زمان ومكان، إذ الكل راجع إلى الله ليجازى بما عمل، وفي الرّجعى إلى الله تثبيت على الطريق السوي، وتطمين لأولئك الصابرين على نهج الله بالنصر والتأييد. ثم تأتي الوصية الثانية للقمان بقوله لولده: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ.
إنباء الله لكل مخلوق بما عمل في حساب يوم القيامة يطرح في النفس ذلك التساؤل عن سعة علم الله وإحاطته الكاملة، كيف تغطي كل ما في الوجود حتى تستوعب كل أعمالنا صغيرها وكبيرها؟. فتجيء هذه الوصية الثانية ضمن تركيز المعتقد الصحيح في الله وعلمه وقدرته تجيء في تصوير عجيب يلامس شغاف القلوب ويهز مشاعر الوجدان، وهو يعرض تلك الرقعة الهائلة من الكون الفسيح في الأرض وفي السّماوات، ثم في أصلد مادة من الأرض المتمثلة في الصخرة الصماء، ومع تعجبنا وذهولنا أمام سعة ذلك الظرف الزماني والمكاني وضخامته، وقد ارتد بصرنا أمامه خاسئا وهو حسير، فإن عجبنا يكون أعظم في تقدير ذلك المظروف الدقيق المتمثل في مثقال حبة من خردل، يختبئ في أطباق الصخرة الصماء، أو في جنبات الأرض الممتدة، أو هو يحلق في فضاء السماوات على تعدّد أطباقها، فإن ذلك الجزء الضّئيل لا يند عن علم الله ليأتي به في يوم الحساب، فهل هناك في خيالنا المحدود وفي تصوّرنا الباهت أروع من
هذا التصوير؟. فلو كان الناس في وقت التنزيل يعرفون شيئا أدقّ من حبّة الخردل لضرب الله مثلا به لواسع علمه وشمول قدرته ولله المثل الأعلى في إعجاز كتابه حين ضرب مثلا لذلك بما هو أصغر من الذرة، وهو يعلم أنّ الكشوفات العلمية سوف تصل إلى معرفة الذرة وتفجيرها بتفتيت جزئياتها التركيبية، فقال جل من قائل: ﴿وَمَا يَعْرُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مُثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَالِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (يونس: 61).
133