من أخلاق القرآن: الوصايا العشر ووصية لقمان (الحلقة الثانية) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٣٨

من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان

كذلك يفعل المنكر بالمجتمعات إذا سكت عنه ذوو الصلاح والتقوى، فإذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وذكر الله يعصم عن الدنايا والآثام، فإنّ من واجب التقي المصلّي أن يدعو غيره إلى المعروف وينهاه عن المنكر ليحافظ على صلاح المجتمع المسلم.

وذلك ما كان يقصده لقمان الحكيم من هذه الوصية الثالثة لابنه، ومن خلالها يدرك المسلم واجبه ازاء هذه الشعيرة الدينية الهامة، والتي جعلها الله تعالى ميزة للأمة المسلمة، ووسمها بالخيرية بين النّاس فقال جل من قائل: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران: 110). بل اعتبر الله ذلك عماد الولاية في المحبة والتناصر بين المؤمنين، وباعث للتعاون بينهم على البر والتقوى فقال: ﴿وَالمُومِنُونَ وَالمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أَوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71). ويستفاد من وصية «لقمان» لابنه بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يميز النصّ ذلك الولد بصفة يختص بها من العلم أو الجاه أو أية منزلة اجتماعية، إذ لم يعطه إلا صفة البنوة: يَا بُنَي - مما يفيدنا أن هذا الواجب الديني مطالب به کل مسلم كفرض عين كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وبالوسائل الشرعية المتاحة لكل شخص وفق ما بينه رسول الله الله في قوله: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

والمجتمع المسلم اليوم هو أحوج ما يكون إلى تطبيق هذه الشعيرة على اعتبار فرضيتها العينية على كل فرد فيه؛ لأنّ ولاة الأمور فيه لا يلتزمون بالأحكام الشرعية كما أمر الله ورسوله بل يحتكمون إلى القوانين الوضعية، وإلى الدساتير التي يضعونها أو يعدلونها من حين لآخر، ولهذا يترجح قول من يرى من المفسرين أن (منكم) للتحديد لا للتبعيض في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَن المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).

90. رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخذري، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان،

رقم 186.

138