من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٤٢من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
القصد في المشي هو الاعتدال فيه بحيث يكون وسطا بين الدبيب والحبيب، وكلا طرفي قصد الأمور، ذميم، وخير الأمور أوسطها، فمشية المتماوت المتهالك،
إن كانت لإظهار الزهد والتصوف فهي نفاق ورئاء، والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وقد رأى عمر بعض الزهاد يمشون مشية الموتى فقال لهم: «لا تميتوا علينا ديننا أماتكم الله، وما هذه مشية المؤمن، فارفع رأسك وامش
مقتصدا». 94
والسرعة في المشي لغير ضرورة كالهروب من خطر محدق أو للنجدة والإسعاف فهي تحط بقدر الإنسان وتدلّ على السفاهة والطيش، وقد وصف الصحابة مشية رسول الله فقالوا: «إنه عليه الصلاة والسّلام إذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنه يحط من صبب).
ولما كان المشي والصّوت وسيلتين للإنسان في طلب مقصوده فقد جاء الربط بينهما في وصية، لقمان ويشارك الحيوان الإنسان في ذلك، ولكن الكيس العاقل من الناس هو الذي ينطق باتزان واعتدال مما يدلّ على ثقته بنفسه واطمئنانه إلى صدق حديثه، وأما الشاك المرتاب فإنه يحاول إخفاء ذلك بالحدة والصراخ، كما كان الجاهليون يفعلون وهم يفخرون بالصّوت الجهوري فيقول شاعرهم:
الكلام جهير العطاس
جهير الرواء جهير
النعم
ويعدو على الأين عدو الظلي م، ويعلو الرّجال بحلق عمم
وتشبيه ذلك بصوت الحمير للاستفظاع، والنكير، ومن منا لا يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إذا سمع نهيق الحمير؟.
الله
والله تعالى قد ندّد على أولئك الأعراب الجفاة الذين كانوا ينادون على رسول من وراء الحجرات فقال: إِنَّ الذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
(الحجرات: 4 - 5).
94. إبراهيم بن عمر بيوض، في رحاب القرآن: 400/ 11.
142