من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٣الوصية الثانية: بر الوالدين
الوصية بالنهي عنها؛ لأن ترك الإساءة بالنسبة للوالدين مما تدعو إليه الفطرة السليمة، غير أنها موقف سلبي أزاء إحسان الوالدين بولدهما، والإحسان لا يتحقق جزاؤه إلا بإحسان مثله، يقول تعالى: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ} (الرحمن: (60). والمطلوب من الولد في هذا المقام هو السعي لإرضاء والديه بما يحقق لهما من النفع والخير، سيما في حالة عجزهما كما ترشد إليه آية الإسراء. وحسب الوالدين قدرا ومنزلة عند الله وتأكيدا لحقهم على الأولاد أن يرد أمر الله بالإحسان إليهم مقرونا بطاعته وعدم الإشراك به، وأن يجيء مكررا بتلك الصيغ المختلفة.
يقول الشيخ شلتوت في تفسيره: (والقرآن الكريم لم يُعن هذه العناية كلها بحق الوالدين نظرًا لشخصهما فقط، بل نظرا لأنهما عمادًا الأسرة، وأن الأسرة لا بد لها من التكوين الذي يستظل فيه أفرادها بلواء العزّة والسعادة، ويمتد منها إلى الأقارب والجيران وسائر النّاس والمخلوقات حتى ملك اليمين، وبذلك تمتد الفضيلة وتبسط أشعتها على الأمة كلها، وما الأمة إلا مجموعة الأسر يخلع عليها ثوبها، إن شرا وإن خيرا، وإن سعادة وإن شقاء».
قلت: يجب أن يكون ذلك الإحسان من الولد لوالديه بدافع الحب والرحمة وفي هالة من الإجلال والتقدير كما ترشد إليه آية سورة الإسراء؛ لأنه كثيرا ما تطغى النظرة المادية لدى بعض الأولاد حين يكون أحدهم غنيا ويصاب بالحرص والشح، ويكون الوالدان بحاجة إلى المعونة المادية للإنفاق على نفسيهما أو بعض من أفراد أسرتهما، فيغدو ذلك الولد في موقف المنعم المتفضّل، ويعامل والديه بأسلوب المن والأذى، وفي الصورة المقابلة: قد يتألّى الوالدان على الولد بأسلوب القهر وإخضاع الولد لإرادتهما تجاوزا للحق المشروع، وتعديا لحدود الله في رسم الحقوق والواجبات، وكلتا الحالتين مذمومتان. ولا يتحقق الهناء العائلي والتوازن الأسري إلا بتنفيذ ما أمر الله به في مثل تلك الحقوق المتبادلة.
وقد ساق المحدثون حادثة في هذا الشأن لملاحاة وقعت بين ولد وأبيه أمام
رسول الله.
8. محمود شلتوت: التفسير: 408/ 1.
23