من أخلاق القرآن: الوصايا العشر ووصية لقمان (الحلقة الثانية) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٤٣

الوصية الثالثة: النهي عن قتل الأولاد

أ- الخوف من الفقر الواقع أو المتوقع، ولذلك جاء النهي وعلته على صورتين مختلفتين، ففي الفقر الحاصل قال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّن إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وقال في الفقر المتوقع مستقبلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ (الإسراء:31). أي حين يكبر الولد ويصبح هو المنفق على والديه في حالة عجزهما.

ب خوف العار بفاحشة أو سبي، أو التزوج بغير الكفء في الشرف والحسب، وكان ذلك هو الدافع القوي لوأد البنات - أي دفنهن وهن على قيد الحياة. ج قتل الأولاد تديّنا ووفاء بالنذر للآلهة، وذلك عندما ينجب الأب كثيرا من الذكور كما فعل عبد المطلب بولده عبد الله والد الرسول الله حسبما هو مفصل في السيرة النبوية، وكما تفيده آية: ﴿وَكَذَالِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (الانعام: 137).

وإلى جانب هذا النهي الصّريح المصحوب بعلته نجد القرآن الكريم يمتن على بني إسرائيل بما حباهم الله تعالى من فضله إذ أنجاهم من آل فرعون يسومونهم سوء العذاب يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وجاء التعبير بالذبح في سورة البقرة والحجر، وبالقتل في سورة الأعراف. ولا تزال علة الفقر الواقع أو المتوقع هي الباعث على كثير من الجرائم البشعة قديما وحديثا، وجاء في الأثر: كاد الفقر أن يكون كفرا»؛ ذلك لأن البطون الخاوية لا تبقي للقلب ولا للعقل سيطرتهما على الجسد الحيواني، حين يحوّله الجوع إلى ضار مفترس. ومن ثم فإن الإسلام قد عالج هذا المشكل بطرق عملية تتمثل في تحريضه على التكافل الاجتماعي في أصدق صوره برعاية الطبقات المحرومة وضمان القدر الضّروريّ من العيش الكريم بما شرعه من الزكاة وأنواع الصدقات ومن توفير تكافؤ الفرص للجميع في مجال العمل والكسب، وضمان العدالة الاجتماعية في الإدارة والتسيير.

وقضية الرّزق لا تقل اهتماما من الإنسان في التدبر والتفكير عن قضية الموت والبعث، ولذا نجد القرآن الكريم قد ركز عليها كثيرا فربط بين الخلق والرزق

43