من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٦من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
وقد زاوجت بين الوصايا المذكورة؛ لأنها تشترك في بيان بعض الأصول والمبادئ، وتنفرد كلّ منها ببعض الإرشادات الخلقية الأخرى، كما توحيت فيها البيان الشافي والشرح المفيد للنّصوص الشرعية المتعلقة بكل وصية، مضيفا إليها ما يسندها من النصوص الأخرى الواردة في القرآن أو السنة، حتى يكتمل بذلك الإطار المرسوم لمثالية الدين كما أرادها الله لعباده كاملة غير منقوصة، متجاوبة مع سنة التطوّر الحضاري مهما بلغت مداها في الحياة البشرية، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتلك نعمة امتن الله بها على الأمة الإسلامية، إذ قال: ل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3). وذلك هو الإطار السليم والمثالي للسلوك النظيف والتوجه المستقيم الذي يطبع حياة المسلم في كل جوانبها فرديا واجتماعيا وفي كل أحوالها شدّةً أو رخاء، وصحةً أو سقمًا، وخوفًا أو أمنًا.
وإذ يستمع المسلم لتلك التوجيهات والإرشادات الربانية ويتجاوب معها بحسّه الإيماني وشعوره الديني، فلا شك أنه سيقع في تجاذب شديد بين مثالية الدين كما وعاها من خلال تلك الوصايا، وبين الواقع المعيش المتردّي في هاوية الانحراف والابتداع، وفي جاذبية التبعية والتقليد ومهما تكن وطأة الواقع ثقيلة عليه، ومغريات التقليد ضاغطة على سلوكه، فإنه سيحاول بعون الله أن يكون من المتقين المتذكرين عندما يسمعون كلام الله، وممن يصدق فيهم قوله تعالى: إِنَّ الذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (الأعراف: 201). وحينئذ لا يبقى حبيس الواقع، ولا فريسة في مصيدة الشيطان، بل يسارع إلى تصحيح أخطائه، وتدارك نقصه قبل فوات الأوان؛ لأن القلوب مهما صدأت أو تحجّرت، ولم تحط بها الخطايا، فإنها تصحو على نداءات القرآن، وتهفو لنفحات الرحمن، فإذا هي منيبة إلى ربّها تائبة لرشدها، وصدق مولانا العظيم إذ يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لما فِي الصُّدُورِ وَهُدًى
وَرَحْمَة للمُومِنينَ) (يونس: 57).
ولئن أصبحت الأمة الإسلامية في غثائية نكراء كما تنبأ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولئن تطاول أعداء الإسلام، وفرحوا بما عندهم من العلم فإن دينا
الله لا يعدم
6