من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٦٩الوصية الخامسة: النهي عن القتل
الله
غير أن النظم الإنسانية في مختلف الحضارات المتعاقبة منذ بدء الخليقة كلها متفقة على أن القتل العمد بغير حق جريمة شنعاء لا يستسيغها عقل ولا يقرها دين، ويدل على ذلك قوله تعالى: التي حَرَّمَ الله، أي في الديانات السابقة، كما تشير إليه آية المائدة: {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) (32)؛ ذلك لأن الحياة حق مقدس هو أغلى منحة من لخلقه فلا يملك انتزاعها إلا هو متى استوفت النفس أجلها حسبما هو مقدّر في علم الله، لأن الذي يملك الإيجاد يملك الإعدام. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الملكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الذي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك: 1 - 2).
والشّريعة الإسلامية، إذ شنعت بهذه الجريمة وشددت النكير عليها، فقد عنيت كل العناية ببيان أحكامها الدنيوية إن بالطرق الوقائية لتفادي وقوعها، أو بالطرق العلاجية متى وقعت، وهي في كل ذلك مترفقة حكيمة في القتل الخطأ، وصارمة متشددة في القتل العمد.
وتفاصيل تلك الأحكام قد تولاها الفقهاء ودوّنوها في موسوعاتهم لمن يريد الاستقصاء والبحث وحسبنا من هذا البيان المختصر أن نلم ببعض الأسس العامة، ولم يقتصر القرآن على بيان الأحكام الدنيوية بل أفاض في ذكر الأحكام الأخروية بما يكون رادعا قويًا للابتعاد عن تلك الجريمة النكراء.
هـ-
هـ - أنواع القتل وعقوبته الدنيوية يتفرع القتل باعتبار إيقاعه لذات الإنسان أو لغيره إلى الانتحار وقتل الغير. وباعتبار الدافع إليه يتفرع إلى قتل العمد وقتل الخطأ. ولفظ النفس مطلق في الآية الكريمة فهو يعم ذات القاتل نفسه ونفس غيره، عن قتل الإنسان نفسه في سورة النساء فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمُ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (29). كما فصل أحكام قتل الخطأ والعمد فقال في قتل الخطأ: وَمَا كَانَ لِمُومِن اَنْ يَقْتُلَ مُومِنًا إِلَّا خَطَأَ وَمَن قَتَلَ مُومِنًا خَطَاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يُصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٌّ
وقد نهى
الله تعالى
69