من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٨٣الوصية السادسة: النهي عن أكل مال اليتيم
لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} (النساء: 127). قالت عائشة: «وقول الله في الآية الأخرى: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهم إذا كن قليلات المال والجمال». 72
وبمناسبة التعرّض لأموال اليتامى تتناول السورة الكريمة إرشادات ضافية حول
سياسة المال في المحافظة عليها وتداولها واستثمارها مثلا في قوله تعالى: - وَلَا تُوتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ التِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَما} (النِّساء: 5). - يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ} (النساء: 29).
ز متى يدفع لليتيم ماله؟
ذكرت الآيات جملتين تحدّدان المستوى من السن الذي يبلغه اليتيم ليدفع الوصي إليه ماله وتقيّد ذلك بشرط فقال تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (الأنعام: 152). وقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (النساء: 6). أما التقييد بالشرط فقال: ﴿فَإِنَ انَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمُ أَمْوَالَهُمْ﴾ ثم قال تعالى بعد ذلك: {فَإِذَا دَفَعْتُمُ إِلَيْهِمُ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: 6). فأي ضمان وأي توثيق ترشد إليهما هذه الآيات. فبلوغ الأشدّ أو بلوغ النكاح هو في الغالب المستوى الذي يصبح فيه الشاب مؤهلا لتحمل مسؤوليته إذا ما نشأ نشأة طبيعية سليمة.
وقد اختلف الفقهاء في تحديد السِّنّ والصفات التي يجب أن تتوفّر في اليتيم ليتسلّم ماله من وصيه، ولكن القيد الذي ذكره الله بعد ذلك يحسم ذلك الخلاف، فليس المهم ضخامة الجثة مع سفاهة الأحلام، وإنما المهم هو استئناس الرشد فيه بعيدا عن كل سفاهة محتملة لتضييع، ماله ولا يتحقق الوصي من ذلك إلا بالممارسة والاختبار ليتيمه، ويقتضي ذلك منه أن يصحبه ميدانيا وقد طرح عليه
72. رواه البخاري من حديث عائشة، كتاب التفسير باب تفسير سورة النساء، رقم 4298.
83