من أخلاق القرآن: الوصايا العشر ووصية لقمان (الحلقة الثانية) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٩٣

الوصية السابعة: إيفاء الكيل والميزان

نموذجان نحاول من خلالهما أن نبيّن كيف أن الله تعالى يريد بنا خيرا ويدعونا إلى التحلّي بصفاته العليّة، على اعتبارنا أننا خلفاؤه في هذه الأرض استعمرنا فيها وقدر حياتنا الأولى على ظهرها محكا للاختبار ومعبرا للحياة الأبدية الباقية.

أ- النموذج الأول

وهو يتمثل في افتتاحية سورة الرحمن، يقول تعالى: {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ القرآن، خَلَقَ الإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانِ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ، فأي إجلال وأية عظمة تغمر قلب المؤمن وهو ينطق بهذه الصفة للذات العلية «الرّحمن». إنها صفة مشتقة من الرّحمة في مستوى عظمتها التي لا تدانيها صفة لمخلوق، حتى قال العلماء: لا يجوز إطلاقها لغير الله تعالى، إنها تلك الرحمة التي هبط جزء واحد منها من مائة جزء إلى الأرض، ومن ذلك الجزء الواحد تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه كما صوّرها رسول الله له في حديث صحيح. والسورة كلها تتحدث آلاء الله عن ومجالي رحمته، يذكر بها الثقلين من الإنس والجن في معرض التكليف وتحمّل الأمانة، ويكون هذا الإنسان هو مجلى القدرة الإلهية في خلقته، وهو في طليعة الوجود كله في أرضه وسمائه، وهو مزدوج التكوين من مادة وروح. ولما كان مناط تكريمه وامتيازه هو تلك النفخة الله جاء تقديم القرآن على خلق الإنسان في ذكر آلاء الله ترتيبا

الله

العلوية من روح مناسبا لجلال الخالق وقداسة كلامه بما يتجاوب ويتناسق مع أعظم منة من لهذا الإنسان، بأن علمه البيان، تلك المنة العظمى التي أسجد لها ملائكته لآدم اعترافا لاستحقاقه خلافة الله في الأرض، ذلك هو التكوين الروحي للإنسان. وقبل أن ينتقل النص القرآني، إلى تكوينه المادي في قوله تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالِ كَالْفَخَّار تجيء تلك الإيحاءات الربانية بذكر دينونة الخلائق لجلاله وعظمته: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَان، وهما مرتبطان في حياتهما بكل من الشمس والقمر، وكل منهما يسبح في الفضاء بحساب دقيق في مدار مضبوط.

93