من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٩٤من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
في
إنه التناسق العجيب بين الكائنات، وهي مرتبطة بمصدر الوجود، ارتباط العبودية والعبادة بالتسبيح والسجود، ورفع السماء بغير عمد من أعظم آيات الله الآفاق، إنه الخلق العظيم الذي بهر الإنسان وهو يرفع البصر إليه فيرجع وهو حسير: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات:22). خلق الله ذلك بالحق ووضعه بميزان قد قدّره في علمه الأزليّ، إنها موازين الحق والعدل، وموازين القيم المضبوطة لكل ما في الوجود، يشهد لها واضعها الخالق المعبود، ويشهد لها الملائكة في الملأ الأعلى، ويشهد لها أولوا العلم في الأرض من الراسخين الذين يخشون الله ويدينون لعظمته: شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْم قائماَم بالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران: 18).
أَلَا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}: لنتأمل هذا التأكيد العجيب، بالأمر والنهي لمدلول الميزان الإلهي الثابت المستقر، على أساس الحق والعدل، لينتظم كل المخلوقات في أرضه وسمائه، وبالتالي فإن كل طغيان فيه وكل إخسار سوف تنجر عنه عواقب وخيمة، تدمر في الإنسان تلك الفطرة السليمة، فيخيس بعهد الله، ويتحدى خالقه ومولاه، بينما هذه الأرض التي يعيش عليها، ويظن أنه مستقل بها لوحده هي مرتبطة ارتباطا وثيقا بأجزاء الكون كله تؤوّب معه بحمد ربّها وتسبّح الجلاله، وقدرته، وقد دحاها وأخرج منها ماءها ومرعاها متاعا لنا ولأنعامنا، بنفس الدقة ونفس الميزان، وقد قال في سورة الحجر: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ
موْزُونٍ} (19). ولا تصلح هذه الأرض ولا يستقر عمرانها إلا حين تبقى متصلة بالسماء بذلكم الرباط المقدس في هالة من ذلك النور المستمد من مشكاة الله، ينزل به الروح الأمين على رسله كتابا وميزانا ليقوم الناس بالقسط قال تعالى في سورة الحديد: لَقَدَ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (25). إنه الميزان الإلهي الذي قامت عليه الأرض والسماوات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، هو الميزان الثابت المستقرّ الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تتصارع فيه المصالح، إنه حجة الله على خلقه، ليقيموا حياتهم على أسس الحق والعدل، حتى
94