من أخلاق القرآن: الوصايا العشر ووصية لقمان (الحلقة الثانية) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٩٥

الوصية السابعة: إيفاء الكيل والميزان

يمكن الله لهم في هذه الأرض، ويكونوا في مأمن من الشر والفساد، ومتى استقامت البشرية على منهج. الله واتخذته حكما في ما شجر بينها، فإن الله تعالى يوفقها ويلهمها سبل رشدها، ويهديها سبل السّلام، وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد. ب- النموذج الثاني

اله

يتمثل في قصة رسول الله شعيب إلى مدين في نص مطوّل بسورة هود: يبتدئ بقوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرِ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ محيط (84). وينتهي بقوله تعالى: ﴿أَلا بُعْدًا المَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95). ومدين اسم قبيلة كانت تسكن ما بين الحجاز والشّام بالقرب من تبوك، وقد استقى موسى له من بئرهم كان لهم تصوّر فاسد في عقيدتهم، وظلم وإجحاف في معاملاتهم، أبرزه التطفيف في الكيل والوزن ومن رحمته تعالى بهم أن بعث لهم شعيبا يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ونبذ الشركاء والأنداد. ومنطلق كل دعوة صالحة هو تصحيح العقيدة أولا، ثم تأتي الأعمال الصالحة تجسيدا لتلك العقيدة في توحيد الله والالتزام بأحكام شريعته. يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنِ إِلَهِ غَيْرُهُ﴾: وهي الدعوة الأصلية التي دعا إليها رسل الله جميعهم في مسيرة البشرية منذ انطلاقتها قال تعالى في سورة الأنبياء: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (25). وحين تتركز العقيدة الصحيحة في قلب الإنسان، وتمتلئ جوانحه بخشية الله، فإن كل إصلاح للأوضاع الفاسدة، وكل تغيير للعادات الباطلة، سوف يأتي بالثمرة المرجوة فتستقيم النفوس على نهج الله، سلوكا نظيفا في الحياة الشخصية، وإخاء

وتراحما في العلاقات الاجتماعية، وصدقا وأمانة في المعاملات الاقتصادية. وأصحاب مدين كانوا في موقعهم من طريق القوافل بين شمال الجزيرة وجنوبها، قد استمرأوا الربح السهل، بقطع الطريق على القوافل، ومن ثم يفرضون عليها ما يشاؤون من أنواع المعاملات الجائرة، وأعظمها ظلما التطفيف في الكيل والميزان؛ لأنه سرقة مقنعة خفية، تستغل ثقة النّاس في استصحابهم لأصل الصدق والعدل والأمانة في طرق التعامل ووسائل المبادلات المتمثلة في المكاييل والموازين وما إليها.

95