من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٩٦من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
حسن
ونلاحظ في دعوة رسول الله شعيب ذلك الربط المحكم بين العقيدة والشريعة، أي بين الإيمان والعمل الصالح، فلا خير في عقيدة لا يبلورها في واقع حياة الناس الأخلاق وكرم، الخصال، ومن ثم كان ولا تزال ممارسة الفصل بين العقيدة والشريعة أو بين الدين والدنيا على قاعدة الماديين الطغاة التي تقول: «ما الله الله، وما لقيصر لقيصر». لا يزال ذلك الفصل النّكد هو سبب الانزلاق والانحراف الخطير الذي نكب البشرية في رصيدها الديني وتراثها الحضاري، وأصحاب مدين يمثلون بفساد معاملاتهم ذلك الركام من الظلم والفساد في الأرض تلهفا على المال، واعتداء على حقوق النّاس، فلنستمع إلى شعيب كيف يدعوهم إلى موازين الحق والعدل برجوعهم إلى الله والخضوع لطاعته: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهِ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرِ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطِ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ﴾ (هود: 84 - 86).
وكان شعيب في بلاغه واضحا في تشخيص هذا الداء الإجتماعي العضال، وهو في أمره بالإيفاء ونهيه عن التطفيف في المكيال والميزان يذكرهم بما هم فيه من وفرة المال، وأن ذلك هو خير من الله يبلوهم به ولسوف يحوله عنهم إن لم يشكروا نعمته، وما عند الله هو خير لهم وأبقى ذخرا وثوابا، ويمزج نصحه بالتخويف من عذاب الله عاجلا أو آجلا إن هم تمادوا وأصروا، وما هو عليهم بحفيظ، إذ لا يملك إلا النصح والإرشاد كما أمره الله. فما مدى تأثير هذه الدعوة في نفوس القوم؟. ولنستمع مرة أخرى إلى هذا الردّ المشبوه الضّال: قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَوَاتُكَ تَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا أَوَ اَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشيدُ (هود: 87). إنه ردّ الساخر الغشوم في إنكار سافر لصدق تلك الدعوة، وكان شعيب كثير الصَّلاة لربه، وهم يشكون في صدق توجهه أن يكون الله هو الذي أمره بما يقول، ويظنون أن ما ينهاهم عنه في معاملاتهم من الغش
96