من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٩٧الوصية السابعة: إيفاء الكيل والميزان
والتطفيف، هو مجرد حيلة منه لينفرد بالربح وهو الغني مثلهم بكسب حلال: أَرَأَيْتُمُ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} (هود:88). وما أوقعهم في سوء التقدير لدعوة نبيهم إلا ذلك الفساد في التصوّر الجاهلي لحقيقة الألوهية، فهم لا ينكرون وجود الله ولكنهم يتشفّعون إليه بشركاء يعبدونهم من دون الله تقليدا لآبائهم، ثم لا يرون صلة بين العبادة والمعاملة، فهم أحرار في إدارة أموالهم بما هو الأوفر ربحا وإن بخسوا حقوق الناس. فأعجب لهذه الفكرة الشيطانية كيف سرت في كيان البشرية جرثومة خبيثة، تتيقظ وتنمو كلما ضعف جهاز المناعة عن مقاومتها، حتى أصبح اليوم جسم الإنسانية عليلا بها، وقد صرعته حيل اليهود ومكرهم وهم يديرون الأموال وفق هواهم بعيدا عن إرشادات التنزيل ذلك بأنهم قالوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
(آل عمران: 75). ونحن المسلمين لا نملك حولا ولا قوة في المجالات الاقتصادية إلا أن نخضع للنظام العالمي المفروض علينا في المجال الاقتصادي والسياسي، وليتنا نعترف أننا ما نزال على الغثائية التي تنبأ بها الرّسول لأمته، فنحاول تغيير أوضاعنا وإصلاح أحوالنا وفق ما أرشدنا الله إليه، وكتابه العزيز ينادينا: يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السَّلْم كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة: 208 209). ولكن الدّاهية الدّهياء أن نبرر عجزنا وضعفنا بمحاولة إخضاع أحكام الله إلى واقعنا المريض، فوقعنا في ما وقع فيه أهل مدين بذلك الفصل النكد بين
العبادة والمعاملة.
ولئن كان من رحمة الله وفضله على أمة محمد عل الله أن رفع عنها عذاب السخط والاستئصال، كما فعل بأصحاب مدين فليس معنى ذلك أننا في حلّ من أمرنا، أو أن سنن الله لا تنطبق علينا مهما أوغلنا في الشّر والفساد؛ لأننا من أتباع خير العباد، فهذا رسول الله يحذر أقرب الناس من تلك الإتكالية ويوصي عمته صفية وابنته فاطمة يوصيهما بتقوى الله والعمل على طاعته، ويقول المولى تبارك
وتعالى: ﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم:42).
97