من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٠٣آداب المجالسة
فمهما تكن قيمة ذلك المجلس أو موضوع النقاش فيه فإنَّ الأصل أن يجلس الرجل حيث انتهى به المجلس ولا يتخطى رقاب الناس، ولكن الكرم والفضيلة يقتضيان من المؤمن المتواضع أن يحترم ذوي الفضل والمكانة فيوسع لهم في المجلس اعترافا بفضلهم لأنه تعالى يقول:
1 - وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة، 237]
ب - وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضْلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ، [النساء، 32]، ويقول في تفاوت درجات الناس واختلاف منازلهم لا يُسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ الله الحُسْنَى، [الحديد، 10].
الضمير
وحتى في صفوف الصلاة الجماعية حيت تنتفي الفوارق ويقف الناس سواسية أمام الله. فقد أمر الرسول أن يليه من أصحابه أولو النهى منهم. وليس ذلك حطا من كرامة غيرهم، بقدر ما هو اعتراف وتقدير لذوي السبق والفضل. الله ولما لهذا الموضوع من حساسية في تعامل الناس فقد استجاش الإيماني في المجتمع المسلم ليكفكف بذلك من غلواء المنافقين الكائدين ثم رتب لمن وسع في المجلس لأخيه أن يوسع الله له أبواب رحمته، وأطلق تلك التوسعة ولم يذكر متعلقها لتشمل كل أنواع البر والإحسان، على قاعدة قوله -صلى الله عليه وسلم من يسر على معشر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في كمون العبد مادام العيد في عون أخيه - رواه احمد والترمذي وفعل «تفحسّوا» يفيد تجنب المضايقة والتراص في الجلوس بحيث لا يتأذى بذلك الجالسون، والأمر فيه إما للوجوب أو الندب وذلك بحسب الظروف الداعية لانعقاد ذلك المجلس وما يعالج فيه من القضايا وكلما توطدت العلائق الإيمانية بين الناس وسادت روح المودة والإخاء بينهم، إلا تواطأت أكنافهم تواضعا واحتراما لبعضهم بعض، عن طيب خاطر ورضى نفس.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انشُرُوا فَانشُرُوا يَرْفَعِ اللَّهَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة، 11]. «انشزوا» أمر بالنشوز، وهو نهوض المرء من مكانه، وخص النهوض من المكان بالذكر بعد الأمر
103