من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة

رسول الله، ويستكثرون من مناجاته حتى كان ذلك يشقّ على رسول الله - أحيانا- فأراد الله تعالى أن يخفف على رسوله وهو الصبور الحليم في معاملة أصحابه … فأمر المؤمنين بتقديم صدقة قبل مناجاة رسول الله تعظيما لمقامه، ونفعا لفقراء المسلمين بتلك الصدقات .. وبذلك يتميز المؤمنون الأوفياء عن المنافقين الذين قد يصدون عن تلك المجالس ويبخلون بالمال، فقال جل من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

تعددت الروايات في ذكر أسباب النزول. وأحيانا تكون متخالفة حتى قال عنها الإمام ابن عاشور: (ولا أحسبهم يريدون منها إلا حكاية أحوال للنجوي كانت شائعة، فلما نزل حكم صدقة النجوى أقل الناس من النجوى. وكانت عبارات الأقدمين تجرى على التسامح، فيطلقون على أمثلة الأحكام وجزئيات الكليات اسم أسباب النزول». يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً أَمر الله المؤمنين أن يقدموا صدقة إذا أرادوا مناجاة رسول الله في أمر من أمور دينهم، وفي بيان حكمة تقديم تلك الصدقة يقول تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وتتحقق الخيرية بطاعة الله وامتثال أمره. ثم ما يترتب على ذلك من الثواب والأجر، وأما الطهر فيكون للأنفس بخلوها من النفاق ومن الشح والبخل. وفي الأموال بالحفظ والنماء، مع ما يتحقق من النفع والعون للفقراء، والتكافل بين أفراد المجتمع المسلم. وقد اختلف العلماء في كون الأمر للوجوب أم هو للندب والاستحباب. فذهب الجمهور على أنه للوجوب لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي ذلك لما يترتب على تركه من الذنب ولا يكون ذلك إلا لما هو واجب. غير أنَّ هؤلاء يقولون: إن هذه الصدقة نسخت بفرض الزكاة كما روي ذلك عن ابن عباس، ويرى آخرون أنَّ الأمر للندب. ونقل الدكتور وهبة الزحلي أن أبا مسلم الأصفهاني أنكر وقوع النسخ وقرر أن الأمر بتقديم الصدقة على النجوى لتمييز المؤمن المخلص من المنافق. فَلَمَّا تحقق الغرض انتهى الحكم. أي أنَّ ذلك التكليف

1. التحرير والتنوير ج 28، ص 42.

108