من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

تقديم

الصدقة المناجاة الرسول

كان مقدرا بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه بانتهاء تلك الغاية، فلا يكون هذا نسخا. قال الرازي: «وهذا الكلام حسن ما به بأس»، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي فإن لم يجد أحدكم ما يتصدق به فلا حرج عليه أن يناجي الرسول بدون صدقة، لأن المأمور بها هو القادر عليها. ثم رفع الله الحكم السابق بعد فترة قليلة كما ذكره المفسرون فقال تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتِ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

والإشفاق توقع حصول ما لا يبتغيه الإنسان، والاستفهام للوم والتوبيخ ومفعول أشفقتم» هو جملة (أن تقدموا والتقدير أأشفقتم من أن تقدموا» والخطاب لمن قدر من المؤمنين أن يقدم الصدقة. ولكن ثقل عليه ذلك فلم يفعل، وقد قيل إنَّ هذه الآية نزلت بعد الآية السابقة بقليل، ولم يعمل بها إلا القليل .. إذ رفعت الحكم السابق وقد روي عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال إن في كتاب الله لآية ما عمل بها قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ كان لي دينار فبعته، وكنت إذا ناجيت الرسول -صلى الله عليه وسلم تصدقت بدرهم حتى نفد، فنسخت بالآية الأخرى أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات. فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالله خَبِيرٌ بمَا تَعْمَلُونَ، أي إن كثيرًا من الصحابة أحجم عن تقديم الصدقة قبل النجوى، إذ ثقل ذلك عليهم لا عن تقصير منهم في ذلك، بل للتخفيف على رسول الله من كثرة النجوى، فقوله تعالى: {وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ لا يدل على أنهم قد أذنبوا فاستحقوا التوبة ولكن المقصود هو رفع الحرج عنهم في ذلك، ولكنه أمرهم بالمثابرة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله بصفة عامة، وذلك على أساس أنّ الزكاة المفروضة كانت سابقة على الأمر بصدقة النجوى، فيكون الأمر بالزكاة هنا بمعنى الالتزام والاستمرار عليها. ثم جاء التذييل بقوله تعالى: وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) تحذيرا من أي تفريط أو تقصير في امتثال أوامر الله وطاعة

1. التفسير المنير ج 28، ص 47.

109