من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ١١٤بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
الله
نفاقهم لا يخفى عنهم. فحذر الله المؤمنين الأوفياء من موالاة من يعصي ورسوله، لأن الحب في الله والبغض في الله من خصائص الإيمان الحق، فقال تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم هذه الآية متصلة المعنى بالتي قبلها من ذم المنافقين لتوليهم اليهود وهم ليسوا من أهل. ملتهم وقد وردت عدة روايات في أسباب نزولها، وقال الإمام الرازي إنَّ الأكثر اتفقوا على أن قوله تعالى: لا تجد قوما نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وإخباره أهل مكة بسير الرسول إليهم لما أراد فتح مكة، غير أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإن حكم الآية
يأخذ معناه الشمولي في ما ينبغي للمؤمنين أن يعاملوا به أهل الكفر والنفاق. والخطاب في الآية لرسول الله وهو المبلغ الأمين للمؤمنين، وهو قدوتهم الحسنة في تطبيق مقتضيات الإيمان والابتعاد عن كل ما ينافيه، سيما في الموالاة والمعاداة وهما أساس التعامل بين الأفراد والجماعات. فلا ينبغي ينبغي للمؤمنين بالله واليوم الآخر أن يوالوا ويصادقو من حادَّ الله ورسوله وعاداهما بالكفر والنفاق، أو الفسوق والعصيان ولو كانوا من قرابتهم في درجات سلّمها، من الأقرب إلى مستوى أفراد عشيرة الرجل لأن حق الخالق أولى بالمراعاة والتقديس في نفس
،
ورسوله
المؤمن، وهي معيار الإيمان الخالص، كما قال رسول الله: أوثق الإيمان، الحب في الله والبغض في الله رواه احمد وغيره وقال: اللهم لا تجعل لفاجر وفي رواية ولا لفاسق علي يدا ولا نعمة فيوده قلبي، فإني وجدت فيما أوحيت إلي، لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، وقال الشاعر في هذا المعنى:
أبي الإسلام لا أب لي سواه
إذا افتخروا بقيس أو تميم
وتلك هي معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإصلاح الاجتماعي إذ استطاع بتأييد الله وعونه أن يغير ظواهر الكفر والضلال، فجعل من القبائل المتناحرة أمة واحدة تدين بالله رباً وبالرسول إماما وبالقرآن منهاجا للحياة ودستورا،
114