من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٤

بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة

يلزم، فالذين عاشوا تلك الفترة الوضيئة بأنوار النبوة، وعاينوا شخص الرسول الكريم وهو بين ظهرانهم نور وهدى يمشي على رجلين، ربما يذهلون أحيانا عن الحقيقة، سيما عندما تند رغباتهم وهم يريدون أمرًا فلا يقدرون عاقبته. ومن ثم جاء هذا التنبيه للمؤمنين بذلك الأسلوب المؤكد ليستصحبوا في أنفسهم تصور هذه الحقيقة، لأن المعاشرة حجاب كما يقول الحكماء، ويستروح من تركيب النص أن من المؤمنين من تعجل في الحكم ورغب من رسول الله أن يتخذ موقفا من هذا القوم بمجرد سماع الخبر. ولئن كان النداء لجميع المؤمنين في أول الآية فإن المخاطبين فيها يتوزعون على فريقين: فريق يرغب في إطاعة الرسول لهم في بعض الأمور يحذرهم الله تعالى من العنت الذي يقعون فيه من جراء ذلك، ويرشدهم إلى الإذعان لتدبير الرسول والرجوع إليه لأنه لا يتصرف إلا بوحي من الله، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، والرسول في مثل تلك المواقف يعز عليه أن يتحمل المسلمون العنت والمشقة، كما قال تعالى في شأنه: «عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. وفريق مذعن منقاد لأن الإيمان متغلغل في قلبه، وهم المخاطبون بقوله تعالى: وَلَكِنَّ الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ .. الخ. يقول الإمام الرازي في اختلاف صفة المخاطبين في هذه الآية. ثم قال تعالى وَلَكِنَّ الله حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإِيمَانَ، خطابا مع بعض المؤمنين غير المخاطبين بقوله: لَوْ يُطِيعُكُمْ} «دون أطاعكم» يدل على أنهم كانوا يريدون استمرار تلك الحالة ودوام النبي صلى عليه وسلم على العمل باستصوابهم، ولكن يكون ما بعدها على خلاف ما قبلها. وها هنا كذلك وإن لم تحصل المخالفة بتصريح لأن اختلاف المخاطبين في الوصف يدل على ذلك. لأن المخاطبين أولا بقوله: لَوْ يُطِيعُكُم هم الذين أرادوا أن يكون النبي يعمل بمرادهم والمخاطبين بقوله: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان هم الذين أرادوا عملهم بمراد النبي صلى الله عليه وسلم. هذا ما قاله الزمخشري واختاره وهو حسن: م 28 ص 122. قد كشف في وحيه عن كثير من الصفات النفسية للإنسان: فقال عنه: إنه ظلوم جهول، جحود کنود، هلوع، جزوع، منوع، وقال عنه في سورة الإسراء: ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا﴾ (الآية) (11)، وقال في سورة الأنبياء:

قلت: إن

الله

الله

تعالى وهو خالق هذا الإنسان

-

خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} (آية 37).

اللفظ

الكريم

34