من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٥

فضل الله على المؤمنين بوجود

بينهم

غير أن المؤمن القوي في إيمانه يكون متوازنا في تصرفاته فلا تند به الطبيعة البشرية إلى القلق والشطط، بل هو كما قال عنه رسول الله: «المؤمن بخير على كل حال ومن ثم كان من طبيعة الأشياء في أتباع دعوة ما، أو مسشاري زعيم

ما، أن تختلف رغباتهم ومشاربهم بين رزانة، واعتدال، أو طفرة واستعجال. ورسول الله مع أصحابه لم يخرجوا عن هذه القاعدة الاجتماعية، فكان بعض الأصحاب قليلي التبصر في العواقب وهم يذهلون أحيانا- عما هم فيه من خصوصية عظمى بوجود رسول الله بين ظهرانهم، ومن ثم فهم في فورة الاستعجال قد ينسون تلك الحقيقة العظمى. وهل أقوى إيمانا وأصدق حبا ووفاء لرسول الله من عمر -رضي الله عنه ومع ذلك فقد ندَّ به الاستعجال في موقفه من رسول الله يوم الحديبية، حتى أخذ أبو بكر الصديق رضي عنه يذكره ويخفف من حدته بقوله: (ويحك إنه رسول فاستمسك بغرزه، ثم ما وقع فيه بعض الأنصار بعد غزوة حنين حين قسم الرسول الغنائم فأعطى منها بعض المؤلفة قلوبهم، ورأى أولئك الأنصار أنهم لم يستوفوا حقهم من تلك الغنائم فوجدوا لذلك. حتى قام رسول الله يستلطفهم ويقنعهم بمقصوده فقال لهم يا معشر الأنصار ألم يجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فالفكم الله بي؟ وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟ - قالوا بلى: الله ورسوله أمن وأفضل. وكلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أأمن، ثم قال لهم: «الا يستركم أن يرجع القوم بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم قالوا بلى، فبكى القوم حتى ابتلت لحاهم. وَلَكِنَّ الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ، وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَنِعْمَةٌ، وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ). ما أنسب موقع هذا الاستدراك «وَلَكِنَّ) بعد ذكر أولئك الذين غفلوا عن ميزة وجود رسول الله بينهم والاستعجال في الحصول على المرغوب دون مراعاة ما ورسوله قد يفضي إلى العنت وقد يجرّ إلى الفسوق والعصيان، ولكن الله بفضله ونعمته عليكم حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، واختير أسلوب الخبر وصيغة الماضي للدلالة على أن ذلك أمر واقع، وأنه من إرادة الله في أن يغمركم بفضله ونعمته علما منه بما يصلح لكم وحكمة في ما يختاره لكم.

به يوصي

الله

35