من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤٠بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
ج) البيان والتفسير:
ذكر المفسرون عدة روايات تحكي عن بعض الخصومات وقعت بين أفراد من الأوس والخزرج، أو بين طائفتين تفضى الملاحاة بينهما أحيانا إلى التشابك بالأيدي والنعال وحتى بالسلاح - أحيانا- وأخص ما قيل من ذلك هو ما رواه ابن جرير عن الحسن قال: كانت تكون الخصومة بين الحيين فيدعون إلى الحكم فيأبون أن يجيبوا فأنزل الله «وَإِنَّ طَائِفَتَان».
قلت: لا تعجب أن تقع مثل تلك الخصومات في مجتمع فاضل من صحابة رسول الله، لأن الإنسان مجبول على العجلة، فما يزال تدافع الناس واختلافهم هو المحرك الأساسي في استمرار العمران البشري كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دِفَاعَ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ الله ذُو فَضْل عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة، 251]. وفضل الله على ذلك المجتمع الممتاز أنه سريع الاستجابة لداعي الله والرسول
نزاع إلى الخير مثال للفضيلة عندما تعترض المشاكل وتقدم لها الحلول. والإسلام يعتمد في منهجه التربوي على مبدإ الوقاية ثم يقدم العلاج الشافي للحالة المرضية. فبعد أن حذر الله المؤمنين من الاغترار بنبأ الفاسق، وأمرهم بحسن التبين والتبصر، فقد ينفلت الزمام من أيديهم ويقعون في المخدور بإشعال نار الفتنة والشاعر العربي يقول:
فإن النار بالعودين تُذْكَى وإن الحرب أولها الكلام فإِن لم يُطفِها عقلاء قوم يكون وقودها جثث وهام
وعندما يتعطل منطق العقل وتتأجج العواطف فإن الفتنة عمياء لا تبقي ولا تذر، وتُفضي - أحيانا- إلى البغي والطغيان والإيمان القوي هو العاصم القوي من هذه الانزلاقات الخطيرة.
ومن مقتضيات التكافل بين المؤمنين يقتضى اللجوء إلى الصلح بين المتخاصمين، والصلح خير وهو سيد الأحكام كما يقولون. فالتقاتل بين المتخاصمين - وإن كان شديد الوطأة عليهم - فهو لا ينفي صفة الإيمان. وظاهر النص يفيد أن محاولة الصلح بين الطائفتين تكون بعد التقاتل، وذلك على
40