من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤٨بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
ج) البيان والتفسير: هذا النداء الرابع يتضمن الإرشاد لما ينبغي أن يكون عليه المسلم مع أخيه
الآية
المسلم من حسن معاملة تقتضيها الأخوة الإسلامية التي أشاد الله بها في السابقة وأحاطها بسياج من الوفاق، والصلح وهي منازل عليا تتطلب حسا اجتماعيا مرهَفًا يدرأ عن الجماعة كلّ أسباب المهاترات ودواعي التلاحي والتنافر. وكم لإرشادات القرآن من أثر طيب في نفوس الجماعات المسلمة، وهي تحدو بهم لنبذ الفرقة، والخصام حين تعتصم بحبل الله وتتمسك بعروته الوثقى. ذكر المفسرون عدة روايات لسبب النزول: فقيل إن بني تميم قد سخروا من بعض الصحابة الضعاف كبلال وعمار وصهيب، وذلك عند وفادتهم إلى رسول الله وندائه من وراء الحجرات وما تزال فيهم الشنشنة الجاهلية. أما ابن عباس فروى أنها نزلت في ثابت بن قيس عندما تخطى رقاب الناس في مجلس الرسول ليوسعوا له إلى جانب الرسول إذ كان ثقيل السمع، ولم يفسح له رجل كان بينه وبين رسول الله، فجلس ثابت من خلفه مغضبا، ثم سأل عن الرجل فقيل له فلان، فقال ثابت بن فلانة وذكر أمّاً له كان يُعيَّربها في الجاهلية فاستحيا الرجل فنزلت وقيل نزلت لما عُيّرت بعض أزواج النبي أم سلمة بالقصر وصفية بنت حيي باليهودية. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ونلاحظ تناسبا عجيبا بين هذه الإرشادات ووجوب إصلاح ذات البين بين المتخاصمين والصلح بين المتقاتلين كما ورد في الآيات السابقة، وذلك بالنهي في هذه الآية الكريمة وما يتلوها من الآيات عن أسباب التوتر والخلاف، ودواعي التنافر والكره والأخوة الإيمانية في المجتمع المسلم هي السياج الواقي وجهاز المناعة في جسم الأمة، لأن للجاهلية رواسبها في مجال العلاقات الاجتماعية يجب القضاء عليها لذلك جاءت تلك الإرشادات الربانية بأسلوب النهي الصارم مع التعليل الحكيم بعدم الاغترار بالمظاهر وسوء التقدير للمفاهيم. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء من نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ} [الحجرات [1]. واختيار كلمة (قوم) مع تنكيرها في مقام النهي عن السخرية هو لاعتبار ما كان شائعا عند الجاهليين
48