من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٥٦بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
ويبدو لي والله أعلم أنَّ خاطرة الظن هي من الآفات النفسية الخفية التي تدفع إلى الآفات الظاهرة على الحواس إذا لم يجتنبها صاحبها بحمل نفسه على حسن الظن وطيب الاحتمال؛ كما قال تعالى: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْلٌ مُّبِينٌ﴾ [النور، 12]
ولما كان الظن خاطرة قلبيه قد تميل بصاحبها إلى اتهام غيره والتجسس عليه واغتيابه، صدر النهي بالنداء المحبوب لاستجاشة العواطف الإيمانية، وذيلت المنهيات الثلاثة بالأمر بالتقوى لمزيد من الاهتمام البالغ في الحذر من هذا المزلق
الخطير. والرواية التي ذكرها المفسرون على أنها سبب للنزول نجدها قد جمعت المنهيات الثلاثة: سوء الظن والتجسُّس والاغتياب. ملخصها أن رسول الله قد ضم سليمان الفارسي إلى رجلين موسرين ليخدمها في سفر، فلم يهيء لهما طعاما لغلبة النوم عليه فأمراه بالذهاب إلى النبي ليلتمس عنده طعاما، وإداما، فأحاله النبي إلى أسامة بن زيد خازنه، وعندما رجع إلى صاحبيه بخُفَّيْ حُنَين ظن الرجلان أن أسامة قد بخل فبعثاه إلى بعض الصحابة فلم يجد عندهم شيئا فقال: لو بعثنا سليمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان على أسامة فَرَآهُما النبي -صلى الله عليه وسلم فقال: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟ وعندما نفيا أنهما أكلا لحما قال لهما الرسول: ولكنكما ظللتما تأكلان لحم سلمان وأسامة، فنزلت الآية.
ومهما تكن تفاصيل الحادثة، فإن الله قد قدَّر أن تجري مثل هذه الحوادث حتى في ذلك المجتمع الفاضل من خيرة أصحاب رسول الله لنكون سببا لتشريع الأحكام وهم القدوة الحسنة للأمة من بعدهم. يقول الدكتور الشرباطي في تعريف الظن: إنَّ الظن ما يحصل عن أمارة، وهو بهذا شك ولكنه قد يلحقه تدبر فيصير ضربا من اليقين، ولكنه دون يقين المعاينة، وقد تضعف الأمارة فيكون الظن توهما وفي
هذه الحالة يكون الظن مذموما. ثم يقول: والظن الحسن هو تغليب
56
56