من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٥٧57
57
النهي عن سوء الظن والغيبة والتجسس
جانب الخير على جانب الشر، وتجنب المسارعة بالاتهام دون برهان. والآية الكريمة لا تنهى عن مجرد الظن، لأن ذلك أمر متعسر، ولكنها تحرّض المؤمنين على اجتناب كثير من الظن ولم تذكر متعلق الظن ليشمل كل أنواع الظنون الآثمة. وهي ما يتعلق بأحوال الناس. وحتى يبقى المؤمن سليم النفس يجب عليه أن يمحص ويتَثَبَّتَ في الأمارات التي تبعث على الظن، أهي صادقة أم ما عناه الرسول بقوله: (إذا ظننت فلا، تحقق كما حذر المؤمنين من
كاذبة؟ وهي
الوقوع في وسوسته) فقال: (إياكم والظن فإنَّ الظن أكذب الحديث).
خير
لا
وقوله تعالى: ﴿ … إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات، 12]، يدلُّ على أنَّ بعض الظن ليس فيه إثم، ولذلك قال بعض العلماء: إن الظن القبيح بمن ظاهره يجوز، وإنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره قبيح. غير أن الرجل الصالح أو العالم التقي، بل كل من كانت له منزلة مرموقة بين الناس يجب عليه الاحتراز من التهمة والابتعاد عن مواطن الشبهة، فإن غلطة الأمير بلقاء مشهورة، وحسنات الأبرار سيئات المقربين كما يقول المثل. وهذا رسول الله يُعَلِّم أصحابه كيف يجب أن يحترزوا من التهم. فقد روت
1:
زوجته صفية بنت حيي أن النبي كان معتكفا في المسجد، فذهبت إليه وتحدثت معه، فلما أمست انصرفت فقام رسول الله يمشي معها. فمرَّ بهما رجلان من الأنصار، فسلَّما وانصرفا، فنادهما الرسول وقال: «إنها صفية بنت حيي، فقالا: يا رسول الله ما نظن بك إلا خيرا، فقال الرسول: إن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم في الجسد فخفت أن يقذف في قلبيكما». متفق عليه، واللفظ للبخاري.
فإذا قال الحكماء: الزق يرشح بما فيه، فإن هذه القاعدة تنطبق على أكثر الناس في هذا الموضوع، لأنهم غالبا ما يقيسون غيرهم بما في بواطنهم إن خيرا أو شراً، فخبيث الباطن لا تراه إلا سيء الظن بغيره، وهو إذ يمشي في الناس بقاذوراته
يفاخر بها، ويسعى إلى تكثير رفاقه حتى تعم البلوى.
42
1. موسوعة أخلاق القرءان، م 04،
ص