من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٥٩

النهي عن سوء الظن والغيبة والتجسس

والجاسوس لا يكتفي بمعرفة ذلك لنفسه، بل يفعل ذلك لغيره. كما قال تعالى في شأن المنافقين: ﴿وَفِيكُمْ سَمَاعُونَ لَهُمْ وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ﴾ [التوبة، 47]. وقد أصبح فن الجوسسة أمرا متعارفا عليه لدى الأمم. فالآية الكريمة تنهى عن كشف عورات الناس وتتبع سقطتاتهم في زواياهم وخباياهم، بل يجب أن نتعامل مع خلق الله على حسب ظواهرهم، فهذا رسول الله المؤيد بالوحي تعامل مع المنافقين بحسب ظواهرهم بين جماعة المسلمين. وكان من توجيهاته عليه الصلاة والسلام الدعوة إلى التصوّن والستر، كما في حديث (من ستر أخاه المسلم في الدنيا فلم يفضحه، ستره الله يوم القيامة» وفي حديث آخر: (لا تؤذوا عباد الله ولا تُغيَّروهم، ولا تطلبوا عوراتهم فإن من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته). ولسيدنا عمر - رضي الله عنه – أيام خلافته قصص مع كثير من الأصحاب، تجسس عليهم من شدة حرصه على أمور الرعية ولكن هؤلاء الزموه الحجة بهذه الآية الكريمة فتركهم. ومن ذلك ما حدث لأبي محجن الثقفي إذ كان يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل: فقال أبو محجن: إن هذا لا يحل لك، فقد نهاك الله عن التجسس، فخرج

عمر وتركه.

وجدير بالملاحظة في هذا المقام أنَّ التجسس المنهي عنه هو الذي يضرُّ بالمسلمين فرادى أو جماعات، أما ما هو ضروري لدرء الأخطار عنهم مما يكيد به أعداؤهم فلا يشمله هذا النهي، إذ كان النبي يبث عيونه للإطلاع على تحركات العدو، ومن هذا النوع الجائز لضمان أمن المجتمع تعقب قوات الأمن لتحركات جماعات المجرمين. وذلك من باب الحيطة والحذر إذ أمر الله تعالى المؤمنين بذلك

في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ … } [النساء، 71].

وقال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات، 12].

نهي

الله

عن الاغتياب وهو أن تذكر أخاك في غيبته بما لا يحب أن يذكر به والاسم منه (الغيبية). وفرّق بعضُ العلماء بين الغيبة والإفك والبهتان، وكلها وردت في كتاب الله، فقالوا: الغيبة أن تقول في أخيك ما هو فيه والإفك أن «تقول فيه ما بلغك عنه، والبهتان أن تقول فيه ما ليس فيه».

59