من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٦٠بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة، من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
(
وجاء التعبير (لا يغتب بعضكم بعضا ليكون شاملا ولم يقل في هذا النهي لا تغتابوا أنفسكم كما تقدم في اللمز، وقد علله الإمام الرازي بقوله: «وأما من اغتاب فالمغتاب أولا يعلم عيبه فلا يحمل فعله على أن يعتابه، فلم يقل ولا تغتابوا أنفسكم»، لما أن الغيبة ليست حاملة للعائب على عيب من اغتابه، والعيب حامل على الغيب) م 28 ص 134 قلت: إن اختيار البعضية المشتركة بغضهم بغضا» مع ذكر الأخوة في التشبيه اللاحق يوحي بوجوب مراعاة حق تلك الأخوَّة التي أحاطها الإسلام بسياج من الكرامة والتقدير، فلا تدنّس بما يخدش كرامتها. ففي هذا التشبيه التمثيلي نجد المشبه - وهو اغتياب البعض للبعض - يقابله المشبه به أكل الأخ للحم أخيه الميت، فإذا كان أكل اللحم الآدمي فظيعا لا يرتكبه عاقل سليم الفطرة، فهو أفظع وأشد وحشية إذا كان المأكول لحم أخيك الميت. ولذلك عقب على هذا التشبيه بقوله تعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أي إذا حصلت عندكم الكراهة بأكل لحم الميت فاكرهوا غيبة الناس وقد قال المفسرون أن اللفظ وإن جاء على صيغة الخبر فهو في المعنى أمر. وما أبلغ الاستفهام التقريري في أول الخبر (أيحبُّ أحدكم» يمهد للجواب في آخره بقوله فَكَرِهْتُمُوهُ) ثم يأتي الأمر بالتقوى معطوفا على قوله: اجْتَنِبُوا، ليتناول المنهيات الثلاثة، وهي مُفْتَتَحَةٌ باستجابة الشعور الإيماني: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا).
ومختتمة بأمره بتقوى الله التي تدفعه إلى التوبة والاستغفار كلما بدرت منه بادرة بإحدى تلك المنهيات وللشاعر الكندي تعبير جيد في هذا المعنى قال:
وإن الذي بيني وبين بني أبي
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم
وإن ضيعوا غيبي حفظت غُيُوبهم
وبين بني عمي لمختلف جدا
وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
60