من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٦٦

بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة

التلاحي على بقاياها سيما ونحن في عام الوفود بعد فتح مكة، والمسلمون الجدد قريبو العهد من العادات والتقاليد الجاهلية، ولذا نجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يركز على هذا المبدإ مبدإ المساواة بين الناس في وصاياه للأمة بحجة الوداع فيقول: «أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ فقالوا: نعم - قال: فليبلغ الشاهد الغائب»، كما قال: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.

تذكر الروايات بعض الأحداث التي كانت سببا للنزول، وهي توضح أثر تلك الرواسب الجاهلية من تحقير وسخرية بين قبيلة وأخرى أو بين فرد وآخر بسبب اللون أو الجنس أو النسب. وخير عينة على ذلك هي ما خلده الشعر العربي في المعلقات الجاهلية بل حتى في صدر الإسلام الأول في ما وقع من التلاحي بين الشاعرين الفحلين، جرير والفرزدق ومن أقوال هذا الأخير لجرير:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامع

ويقول:

فغض الطرف إِنَّكَ من تميرٍ

فلا كعبا بلغت ولا كلابا

وكان الفرزدق من قبيلة بني تميم ذات الشهرة والنفوذ الواسع في الجزيرة. وما كان من رسول الله، وهو يلمس آثار تلك الرواسب بعد فتح مكة إلا أن يعفي على تلك الآثار بإرشاده الحكيم فيقول: – أيها الناس إن الله قد أذهب

الله

عنكم عيبة الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بَر تقي كريم عند ورجل فاجر شقي هين على الله ثم قرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات، 13]، والمقصود بالذكر والأنثى أبونا آدم وأمنا حواء، أو هما صنف الذكر والأنثى اللذين يتكوّن منهما الفرد البشري على سنة الزوجية

66