من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٦٧

مبدأ المساواة بين الناس في الإسلام

التي تنتظم الخلائق كلها كما قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وفي التقسيم الاجتماعي للمجموعات البشرية تذكر الآية نوعين منهما: الشعوب والقبائل، وذلك وفق ما كان معروفا لدى العرب، لأن الشعوب هي مجمع القبائل التي ترجع إلى جد واحد. ككنانة وقيس وتميم من شعب مصر، والأوس والخزرج من شعب (أزد).

ولما كان الواقع المرير الذي عاشته الجاهلية حين كان ذلك التقسيم مثار الحمية والعصبية والتنافر، جاءت علة جعل الله إيانا شعوبا وقبائل على خلاف ذلك الواقع حين يكون سببا للتكامل والتعارف وهو يحتضن الهرم الاجتماعي من قاعدته إلى قمته انطلاقا من الأسرة إلى مجمع الأمة بكاملها، تدرجا واستشرافا، إلى الوحدة الإنسانية جمعاء، والتي جاءت الدعوة الإسلامية تنادى بها، وترفع شعار المساواة بين الأجناس والألوان. إذ جعل الله ذلك الاختلاف مجلى لعظمته وقدرته، وآية لتدبيره وحكمته، فقال تعالى في سورة الروم: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتِ لِلْعَالَمِينَ، وإذا خطبته عليه السلام في حجة الوداع بمنزلة الدستور القديم للأمة الإسلامية فإن من بنوده الأساسية مبدأ المساواة بين الناس كما تقدم

ولئن افتخرت الحضارة الحديثة بالثالوت الجريء الذي رفعته الثورة الفرنسية حين نادت بالحرية والإخاء والمساواة واعتبرته أوروبا فتحا مبينا بانتصارها على سلطة الكنيسة والملوكية وعلى الإقطاع، فإن للأمة الإسلامية أن تعتز وتفتخر بأن كانت السباقة إلى تركيز تلك المبادئ وتطبيقها فى الحياة الواقعية. ورسولها الأعظم هو القدوة في كل إصلاح دعا إليه، وفي كل مبدأ نادى به. ألم يكن من حاشيته الخاصة: بلال الحبشي وصهيب الرومي وسَلْمَان الفارسي؟ وكان يقول

1 - الذاريات 49.

2 - الروم 22.

67

67