من أخلاق القرآن
الجزء ١ · صفحة ٧٢بيان ما في سورتي الحجرات، والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
وكان هذا الموقف الجافي مناسبا لما تقدم في الآيات السابقة من جفاء بني تميم في ندائهم للرسول، وهنا يذكر جفاء بني أسد بمنهم عليه.
وقد تنزلت هذه الإرشادات اللاهية لتبين للمؤمنين كيف يرتفعون إلى المستوى
الحضاري الرفيع في علاقتهم بالله ورسوله وعلاقة بعضهم ببعض. وفي سورة التوبة نجد ذلك التصنيف الدقيق لهؤلاء الأعراب في سنة الوفود، على أساس من صدق الإيمان وهشاشته ليتبيَّن الرسول حقيقة واقعهم في التعامل معهم بما يناسب كل صنف.
قالوا آمنا، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فأنبأهم الله بحقيقة ما في قلوبهم من التردد والشك والارتياب وبيّن لهم الفرق بين حقيقة الإيمان والإسلام، وإن ما أظهروه للرسول هو الإسلام، أي الخضوع والاستسلام لدافع منفعة عاجلة في الحفاظ على أنفسهم وأموالهم.
ولم يعنّفهم الله تعالى بتكذيبهم في ما قالوه، بل أعلمهم بحقيقة أمرهم، ثم عرفهم بحقيقة للإيمان المطلوب وأن مستقره القلب. فأية سياسة حكيمة في هذا الأسلوب الإلهي، وهو يتألف قلوب هؤلاء الأعراب، ويدعوهم إلى حظيرة الإيمان الصحيح فحسب الإنسان أن يخطُوَ الخطوة الأولى إلى ساحة الله ورسوله بالإيمان والخضوع وحسبه بذلك أن يتخطى عتبة الكفر والشرك وينجو من براثين الشيطان وأعوانه، فإنه بذلك يغرس البذرة الأولى للإيمان في قلبه، وحين نجد التربة الطيبة والمناخ الملائم، فإنها تنفتق عن شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء لأن أول الغيث قطر ثم ينهمر. ولعل هذا ما تستروحه من الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد، 17].
قد يقول الإنسان ما ليس له معتقد في القلب، والإنسان مدفوع أن يقول في بعض المواقف، وهو يتقلب مع الظروف ويتعامل مع بني جنسه لينال مطلبا أو يحقق هدفا، ولكن الله العليم بذات الصدور لا ينظر إلى الصور والأشكال، ولا تخفى عليه الدوافع والنوايا والقلب وحده هو مستودع الأسرار، ومنبع المقاصد والنوايا، والإيمان الصادق هو ما وقر في القلب وصدقة العمل.
72