من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٩٥

عقاب المتناجين بالسوء وآداب المناجاة

أن يسار اثنان أو أكثر دون واحد و ال يحتمل أن تكون للجنس، فتعم كل نجوى مهما كان موضوعها سدا للذريعة ويحتمل أن تكون «ال» للعهد، فتكون الآية

النجوى المنهي عنها هي التي تحزن الذين آمنوا كما ورد التعليل بذلك في إنما النَّجْوَى، مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وقد روى الإمام مالك في الموطأ أنَّ رسول الله قال إذا كان ثلاثة فلا يتناجى إثنان دون واحد وزاد في رواية مسلم: إلا بإذنه فإنّ ذلك يحزنه. ولا شك أنَّ هذه الوسيلة الخسيسة مما كان يتدرع بها المنافقون لبث البلبلة في صفوف المسلمين سيما في الفترة الأولى من استقرار الرسول وأصحابه بالمدينة المنورة. فإن المنافقين وقد مردوا على النفاق لا يألون جهدا في تسخير تلك الوسائل الخسيسة في مجال التعامل مع المسلمين ويظهر تعنتهم في ذلك التمادي على النجوى بعد أن نهاهم رسول الله عنها، وقد تبين له كيف كانت نجواهم بما هو إثم وظلم وتحريض فيما بينهم على مخالفة رسول الله حتى أصبح ذلك من سجاياهم التي لا ينفكون عنها، كما تدل على ذلك صيغة المضارع في قوله تعالى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ {وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله.

ولم يكن المنافقون واليهود بأحسن سلوكا ومعاملة عند حضورهم لمجلس الرسول فإن أسلوب المراوغة في الكلام واستعمالهم لكلمات تبدو للسامعين أنها صالحة، ولكنهم يلوون ألسنتهم بها لتعبر عن سوء نواياهم رعونة وخبثا، فكانوا إذا دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيونه بقولهم «السام عليكم» عوضا عن «السلام عليكم، كما هو شعار الإسلام وتحية الله لرسله. وهم يقصدون بذلك «الموت»، فكان النبي يجيبهم بقوله «وعليكم». وقد يلجأون إلى تحية الجاهلية فيقولون: أنعم صباحا شغفا منهم بتقاليد الجاهلية، وللمنافقين نظائر لمثل هذه الكلمات السيئة في حق رسول الله تعلموها من اليهود – لعنهم الله – وقد جاء في سورة النساء قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع وَرَاعِنَا لَيَّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا في الدِّينِ، [النساء، 46]، ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المصير، [المجادلة، 8].﴾

95

S 6