من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (الحلقة الثالثة) محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

من أخلاق القرآن

الجزء ١ · صفحة ٩٦

بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة

الضمير يرجع الى المنافقين فهم حين تبدر منهم تلك البادرة السيئة في معاملة الرسول ويقول بعضهم لبعض أو يقولون ذلك في مجامعهم بصفة عامة. «لولا يعذبنا الله بما نقول.» «ولولا) للتحضيض. أي لو كان محمد نبيا حقا لانتقم الله منا بما نؤذيه من أقوالنا. فهم يشكون في نُبُوَّة الرسول، ويسيؤون الظن بالله في أنه تعالى يتأثر بما يقولون ويستفزه الغضب فيسرع إلى الانتقام كما يفعله البشر، فجاء الرد الإلاهي شديدا بقوله: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا} أي يكفيهم ما يلقونه في جهنم من عذاب الحريق، فبئس الجزاء والمصير.

ثم يبين الله آداب المناجاة بتوجيه النداء الإيماني وبيان مقتضياته في مجال المعاملة التي توطد العلائق الاجتماعية بين المؤمنين وتصد عنها كيد الشيطان، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُول، [المجادلة، 9]، ينهى الله المؤمنين عن التشبيه بالمنافقين واليهود في التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ولما كان المؤمنون الخلص الأوفياء لا يمكن أن يفعلوا ذلك، وكان بينهم أولئك المنافقون الذين يتظاهرون بالإيمان معهم، فقد جاء تقييد النهي (بإذا الشرطية بما يُفيدُ أنه يحسنُ أن لا يكون التناجي مطلقا سدا لذريعة الظنون السيئة بين الناس، فإذا لم يكن من التناجي بد فليكن بما لا يضر العلائق بين الناس) وتناجوا بالبر والتقوى، واتقوا الله الذي إليه تحشرون»، وبديهي أن يكون الأمر للإباحة توسعة للناس في قضاء مآربهم والتي يجب أن يراعى فيها جوانب الخير والبر والتقى ومراقبة الله في ما أمر به وما نهى عنه، لأن ذلك هو قوام الدين ومن مقتضيات الإيمان باليوم الآخر يوم تجزى كل نفس بما كسبت.

ثم ذكر الله الدوافع السيئة لمناجاة السوء فقال: (إنما النجوى من الشيطان، وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون).

إنما النجوى من الشيطان وللشيطان شرور ومكائد كثيرة يفسد بها على الناس دينهم، ولما كان القصد هو تسلية المؤمنين وإزالة ما يعتريهم من حزن عند مشاهدة نجوى المنافقين جيء بصيغة الحصر- إنما - لقصر النجوى على كونها من الشيطان حتى يكون المؤمنون على حذر من ذلك بدافع من حصانتهم الايمانية

96