إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٠ناهيك عن
هذا عن التوطئة؛ غير أنَّ عمود القول وسنامه متعلّق بصاحب هذا الكتاب، وعمله فيه، أما صاحبه فهو علم سائر الذكر من أعلام عُمان، تعرفه الخاصة، وتتناقل أخباره، ومروياته مصادر العلم، ومظانه على اختلاف حقولها، هو الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي، أنه رأس من رؤوس المذهب الإباضي، أهله لهذه الرئاسة بيت كريم درج في عشه، وتفيأ ظلاله، وعلوم متنوعة حصلها بالصبر والمثابرة منها علوم القرآن الكريم وحديث رسول الله، والفقه والأصول، وعلوم العربية، والفلسفة، والمنطق، وإلى جانبها الشعر الذي صبّ فيه سبحاته الوجدانية، وتحولاته السلوكية، غير أننا نسارع هنا لنقول إنَّ الشيخ قد صهر هذه العلوم في فضاء فكره، وصنّفها في مراتب عقله، وروحه لتحقق غرضاً هو أعمق وأشدّ غوراً، ونفاذاً من قشرة تلك العلوم وهي مفردة، ولم يكن ذلك الغرض المنشود، والتوق الملح سوى (التصوف) بمصطلحه العام، أو (السلوك) بمصطلحه الخاص عند القوم، ذلك الاتجاه الذي استمسك بأسبابه، وأنفق عمره وهو ينهل منه نَظَراً، ليروح بعدها فيجعله سلوكاً، وشعار حياة، وهل يكفي عمر واحد لبلوغ ذلك؟ وهذا هو الذي قصدنا إليه بالمركب الشاق متمثلاً في الأمور الثلاثة التي أسلفنا الحديث عنها، فقد تقدم الشيخ ناصر في هذا الكتاب بعد أن استوفى أدواته بنوعيها الكبيرين، إلى قصيدتين هما من عيون شعر ابن الفارض هما التائيتان الصغرى والكبرى؛
6
بل هما من عيون الشعر الصوفي وغُرره، أجمع على هذا الدارسون قديماً، واتفق عليه الباحثون حديثاً، وكان للمستشرقين الذين درسوا ابن الفارض وشعره رأيهم العلمي الذي دعم آراء الدارسين العرب، أقول تقدّم الشيخ إلى التائيتين راغباً في وضع شرح لهما، وقد يبدو الكتاب في النظرة العجلى، والقراءة المتسرعة - على هذا – شرحاً للقصيدتين، وحتى إن وقع هذا فهو ممّا لا يقدح في عمل الشيخ، فهو عمل كبير بشكله، وعمل كبير بمضمونه، بَيْد أنَّ هذا لم يقع، فقد جعل الشيخ من القصيدتين نقطة نور ينطلق منها إلى آفاق رحبة يعبّر فيها عما يجول في خاطره، ويدور في خَلَده من أفكار وآراء وقناعات، وأضف إليها المواجيد والإشراقات، فهو ما نقرؤه، ونلمسه أيضاً في الثنايا، لقد أراد الشيخ من القصيدتين ذلك كلّه، ولتحقيق هذا فاء إلى منهج مختلف، ورؤيا مغايرة عما سبقه من الشروح، وهو يعلم حق العلم أن شروح التائيتين قبله ليست بالقليلة، ولا سيما الكبرى منهما، فلو سلك سبيل غيره لجعل من نفسه رقماً جديداً يضاف إلى تلك الأرقام التي
10