إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ٩تصدير عام
هذا كتاب من ذخائر المكتبة العُمانية القديمة، ركب فيه صاحبه مركباً شاقاً عسيراً، واختط لنفسه فيه منهجاً سُداه التميّز، ولحمته الفرادة، وآلى على نفسه أن يقطعه إلى منتهاه، وقد فعل، وكأنه يذكرنا بما كتبه الفيلسوف الألماني شيلر سنة 1797 إلى صديقه جيته بعد أن انتهى من قراءة كتاب (فنّ الشعر) لأرسطو؛ فقد كتب يقول: «أنا راض كلّ الرضا عن أرسطو، لا عن أرسطو وحده؛ بل عن نفسي أيضاً، فليس من الأمور العادية أن يقرأ الإنسان لرجل مثله، رصين العقل، مودع الحكم دون أن يفقد معه الطمأنينة. إن أرسطو هذا حكم رهيب كأنه أحد زبانية الجحيم بالنسبة إلى كلّ مَنْ يدّعي التمسك الوضيع بالشكل الخارجي، أو التحرر المطلق من كلّ شكل … وعلى مَنْ شاء أن يقرأه بفائدة أن يكون عارفاً من قبلُ بالأفكار الواضحة كلّ الوضوح عن الأمور الرئيسة، أما من لم يقف من قبل على الموضوع الذي يعالجه أرسطو فمن الخطر المحقق أن يلتمس عنده النصيحة» (ينظر فنّ الشعر، أرسطو، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ص (12)، وكأن شيلر في نصه السالف يحدّد أموراً ثلاثة تجلّل (فنّ الشعر) نراها منطبقة إلى مدى بعيد على هذا الكتاب؛ أولها فقدان الطمأنينة بعد القراءة، بسبب ما يقدمه أرسطو من آراء جديدة، ومفاجآت فكرية، وكم عالجت من غصص هذا الفقدان، وأنا أتعامل مع هذا النص الثري الطويل لسنوات، ولا أحسب القارئ إلا غارقاً في تلك الحالة وهو يعاني القراءة مع اختلاف الأسباب، وربما النتائج. وثانيها ضرورة المعرفة المسبقة بالأفكار الرئيسة التي يعالجها أرسطو، وهذا متحقق هنا أيضاً؛ فلا غنى لمن يحقق أو يقرأ أن يكون عارفاً بمقدمات الأفكار التي سيتناولها المؤلف، واضعاً إياها في مواضعها السليمة في تاريخ العلوم العربية عامة، والتصوف خاصة، وإلا فلن يصل إلى شيء يذكر، وكأنَّ ما يمسكه بعد القراءة ليس شيئاً سوى الهواء. وثالثها بثّ اليأس في نفس القارئ الغافل، بحيث يصل به إلى حافة الخطر؛ إذ لن يظفر هنا بنصيحة ما، أو فائدة معينة ما دام لم يستوف الأمرين السابقين؛ فكأنَّ الثلاثة وحدة واحدة لا انفصام لها، وهذا بدهي! ألم يكن الكتابان ذاك المتقدم السابق وهذا الذي بين الأيدي وحدة متلاحمة يفضي أولها إلى آخرها في انسجام بديع، وتناغم عجيب
9