إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٠٨العشاء؛ لأنه مبتداء فلم يحصل التجلي إلا في وقت لا يمكنه تمكن النظر الكامل إليها ولاسيما قال: عتبت، أي خاطبتها بالعتاب فلعزتها لم تعتب، أي لم تجب بعتاب ولا بغيره، ولم تظهر أن سكوتها كان عن عتاب ولا عن غيره، فكأن لم يكن لقاء بيني وبينها، وما كان بيننا من اللقاء إلا بمقدار أن أشرت إليها فأومت بوعد اللقاء ووعيد البلاء وسارت عن رؤية العين فعاتبت البين [(1) في الحين بالحين.
بيان في المخاطبة لها والتولّه بجمالها:
قال:
45 - أيا كعبة الحسن التي لجمالها قلوب أولي الألباب لبت وحجتِ
46 - بريق الثنايا منك أهدى لنا سنا بريق الثنايا فهو خير هديَّة يقول: لما تجلت عليّ بجمال وجهها، والوجه هو أول الظهور من الشيء كما يقال: نظرت وجه القوم، أو وجه الركب فقلت لها: كعبة الحسن التي لجمالها، أي إلى جمالها قلوب جميع أولي الألباب لبّت لداعيها وحجت، وصامت، وصلت، وسمّاها بالكعبة؛ لأنها قبلة لكل متوجه بالعبادة الصحيحة المستقيمة لله تعالى، ثم قال مخاطباً لها بريق، أي أنوار الثنايا منك أهدى لنا السنا، أي الأنوار، ويحتمل قوله: (الثنايا) وجوهاً من المعاني (2) أرادها جميعاً ليعلم المعاني التي هو قاصد جمعها: الأول: أنه استعار اسم الثنايا التي هي الأضراس الأربعة من مقدم الفم الذي منه يخرج النطق والكلام إلى سور القرآن العظيم وأن ذلك منها لنا بريق ثنايا أضراسنا نتلوه ونسمعه وتتجلى لنا أنواره هو خير هدية منك - بكسر الكاف -؛ لأنّه يخاطب المحبة الإلهية وذلك بأنه عتبت فلم تعتب أي فلم تتكلم بعتاب ولا بغيره من الكلام، قال لها: إنك لو لم تخاطبيني الآن في هذه الوقفة فأنوار سور القرآن العظيم الذي أنزل منكِ، ولكِ هو لنا خير هدية، واستعار لسوره الثنايا، لأنها تسمى المثاني، وتصح الإشارة بالثنايا إلى المثاني
(1) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها. (2) إنَّ هذه المعاني التي سيذكرها الشيخ هي من تأويله وتشقيقه المعنى، وإلا فنحن لم نجدها في شرح التائية الصغرى للبوريني، وشرحها الآخر للنابلسي مثلاً، ينظر الشرحان وهما في مجلد واحد تحت عنوان شرح ديوان ابن الفارض، 1/ 130، وما بعدها.
108