إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١١٣مصون عن حاجة اللثم أي الاحتجاب ولكن مع شدة ظهوره فلا يراه الأكثر من أهل التقى من الورى لتشاغلهم بالنظر إلى غيره وقد استبدلوا البصل والثوم عن المن والسلوى، وأعظم من ذلك، وإنَّما هذا تمثيل، وقد عدت منه حياً باقياً، دائماً بعدما كنتُ ميتاً بالغفلة عنه، ولكن حياتي معه، أي مع جمالها كَميت بين يديها تصرفه كيف شاءت، وقد أولاها نفسه وهذا يريد به التفويض إليها في كلّ أمر والتوكل عليها في كلّ مهم.
قال:
57 - وجنبني حُبَّيك وَصْل مُعاشِري وحتيني ما عِشْتُ قَطْعَ عشيرتي 58 – وأبعدني عن أَربعي بعد أربع: شبابي وعقلي وارتياحي وصحتي 59 - فلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا وبالوحش أُنسي إذ من الإنس وحشتي يقول: وجنبني حبّك، وإنما قال حبّيك لإقامة الوزن، وَصْل كلِّ حبيب معاشر، وحببني ما عشت قطع عشيرتي، وأراد بذلك ظاهراً هو ظاهر لفظه، واستعاره لمعنى باطن، والمعنى وجنبني، أي وأبعدني حبي لك عن وصل كل ما كان لنفسي معاشراً، أي موالفاً من الصفات أو من حبّ شيء من الأغيار، وحببني حبي لك وحبك لي ما دمت حياً قطع
عشيرتي الذين هم كانوا أصحاب النفس من الصفات والاشتغال بشيء من الأغيار. وأبعدني عن أربعي، أي منازلي بعد فناء أربع مني: شبابي في حبّك، وعقلي شوقاً إلى لقاك، وارتياحي، وصحتي، زاهداً عنها فلي رغبة ومحبة بعد بعدي عن أوطاني سكون إلى الفلا، وبالوحش من الدواب المتوحشة عن الناس أنس، إذ من الأنس الشاغلين عن رؤيتك وحشتي، وظاهره ظاهر لفظه، واستعاره لمعنى باطن، يقول: وأبعدني، أي نظر عيون عقلي عن منازلي الأولى التي كنت أجول بها نظرها فيها من النظر إلى الأغيار، والأغيار هي كل شيء هو غير الله تعالى فأجلته في عالم الملكوت، وذلك بعد فناء أربع: شبابي فنيته الطلب لخرق الحجب، وعقلي لخرق الموانع، وارتياحي، أي وكثرة نشاطي، وقوة
صحتي إذ لا تبلغ درجتها إلا بذلك حتى فني الشباب وفنت الصحة والراحة. ولي بعد أوطاني الأولى سكون إلى الفلا، أي فلوات عالم الملكوت، وهو النظر إلى حقائقها بتجلي حضرات الله تعالى عليها، وبالوحش، أي وبما استوحش الأكثرون
113