إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٢٢الأحياء المكاشفين، ولا ميتاً مع الذين لم يكاشفوا أبداً، فافهم، فإنّ لكلامه معاني ظاهرة ومعاني باطنة.
وقوله: وخانني صبري، أراد في الباطن خانه صبره أن يبقى على تلك الحالة، والعين أوفت بالبكاء فاشتغلت به عن الرؤية والمشاهدة، وأراد في الباطن عين العقل، والمعنى الباطن مطابق للظاهر؛ لأنَّه يصح أن يقال حزناً على فراقه لتلك الحالة التي شاهد (1) فيها
جمال الحضرة الإلهية.
واعلم أن لكلّ حضرة اسماً (2) من أسماء الله أو صفة؛ لأنَّ كل صفة تجلت عليه فهي حضرة تلك الصفة، أو لذلك الاسم، وكلها يطلق عليها الحضرات الإلهية (3)، ولذلك يخص اسم الحضرة باسم الحضرة الإلهية لأن التي تتجلى على المرء في حال سلوكه لا تعرف أيَّ حضرة تتجلى عليه، وإن كان الابتداء في الترتيب بالمبتدين حضرات الأفعال فإنَّ حضرات الأفعال كثيرة، فلا يمكن أن يخصص اسم حضرة تجلت له باسم؛ لأن ذلك لا يعرفه المفسّر، ولا الناظم للسلوك، ولو قال حضرة كذا مثلاً تجلت له حضرة اللطف فيمكن أن يكون غيرها، فإنَّ الحضرة الربانية مع أهل هذا العلم في اصطلاحهم هي غير الحضرة الرحمانية، وغير الحضرة الرحيمية، وغير الحضرة القدسية، فأما حضرات التجريد فكلها تسمى الحضرة القدسية وكل حضرة هي معنى اسمها، وكذلك المحبة ولذلك نخصها بالمحبة الإلهية لا باسم غير ذلك؛ لأن لكل حضرة محبة؛ لأنه إذا تجلى على عبده بحضرة فقد أحبّ أن تتجلى له بتلك فتكون تلك المحبة وتلك الحضرة كل منهما منسوبة إلى تلك الصفة، وليس المراد أنه لا يجوز تسميتها إلا كذلك شرعاً، وإنما
(1) في الأصل و [س]: [شاهده]، وما أثبتناه أليق بالسياق. (2) في الأصل و [س]: [اسم]، وما أثبتناه أصوب.
(3) الحضرات الإلهية خمس حضرات هي: حضرة الغيب المطلق، عالمها عالم الأعيان الثابتة في الحضرة العلمية، وحضرة الشهادة المطلقة تقابل الأولى، وعالمها عالم الملك، وحضرة الغيب المضاف، وعالمها عالم الأرواح الجبروتية والملكوتية وهي عالم العقول والنفوس المجردة، وإلى ما يكون أقرب من الشهادة المطلقة، وعالمها عالم المثال ويسمى بعالم الملكوت، والخامسة هي الحضرة الجامعة للأربعة المذكورة وهي الحضرة الواحدية، وهي مظهر الحقيقة الأحدية وتسمى حقيقة الحقائق، وحضرة الجمع وحضرة الوجود، ينظر عنها موسوعة الحفني، ص 720، ومعجم المصطلحات الصوفية، د. أنور أبو خزام، ص 75، وسيتحدّث الشيخ كثيراً فيما بعد عن هذه الحضرات، وقد مرَّ شرح (الحضرة) فيما سبق.
122