إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٣٧والوجه الآخر أنه طالب سير المحبة أن ينتهي إلى المكاشفة بالمشاهدة، وبهذه الأحوال لا تتجلى، ولكلّ مقام حال، ولكلّ حال رجال، ولكل رجال مقام.
ولا تظنّ أنّه قال: ملت، أي الحضرة الإلهية ملته من الملل، فإنّ ذلك ما لا يصح القول به، ولذلك ترانا لا نود إحالة الأمر في البعد والاحتجاب.
وكلّ صفة لا تليق بحضرات الله تعالى إلا إلى نفس الطالب المريد، والمراد؛ لأنّ أصل البعد والاحتجاب عنها إنما كان من قِبلها هي لا من قِبل المحبة الإلهية، ولا من الحضرات الإلهية، فافهم.
(بيان: اعلم أن كثيراً من ظنّ أن هذه المنظومة (1) التي جعلها بداية لنظم السلوك أدنى قوة في معانيها من التي أولها سقتني (2)، وليس الأمر كذلك، وإنما كانت بداية سلوكه (3)، والبداية لابدَّ أن يكون المبتدئ في كل شيء من أوصافه أدنى، فلا يصح أن يأتي فيه بأقوى معانيه؛ إذ لو وصفه بذلك لم يبتداء بذكر أول سلوكه، وكذلك التي أولها: سقتني، فأولها أدنى وصفاً للسالك من آخرها (4).
فليس هذا، بمعاب ولا ممّا يدلّ على هزالة الأمر بل هو مما يدلّ على قوة براعته في الفهم، والمعرفة للترتيب، وكثير من الشعراء يبتدؤون بأول نظمهم في غاية القوة ثم لا يزال يهزل حتى ينتهي إلى الأدنى فيستدلّ عليه بذلك أنه ضعيف الغريزة الباطنة، وكذلك المفسرون قد يطوّل بعضهم أولاً ثم يلحقه الملل، وبعض الشعراء كالمتنبي، وهذا (5)، والشذوري (6) وغيرهم من أهل البلاغة، والمفسرين المدى في نظمهم لمنظومته، أو المفسر بتفسيره زادت في ذلك بلاغته وقوته، فافهم ذلك.
قال:
كلّما طال
بهم
(1) في الأصل: [المنضومة]، وأثبتنا ما في س، وهو أصوب. (2) يقصد التائية الكبرى التي سيأتي شرحها.
(3) في الأصل: [سلوك]، وأثبتنا ما في س، وهو أليق بالسياق.
(4) إنَّ هذا يشير بقوة إلى اقتناع الشيخ ناصر اقتناعاً تاماً بترابط القصيدتين بحيث لا يمكن فهم الثانية فهماً حقاً بمعزل
عن الأولى. (5) يقصد ابن الفارض
(6) لم أهتد إلى ترجمته.
137