إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٤٠أعزها الله من أعدائه أصحاب الفيل حين أرادوا هدمها، وأعزّ الله بها رسول (1) الله، وأعزَّ المسلمين بها عن اتباع أعدائهم اليهود في الاستقبال بقبلتهم، وأعزها الله بطهارتها من دخول المشركين بعد قوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ (2) وأعزها الله بحَرَمِها (3) بأن جعله الله تعالى آمناً، وأعزّها الله تعالى بأن جعلها قبلة للصلاة، ولغرض الحج فاعرف ذلك، وأكثر نظمه بالإشارة والتلويح دون العبارة والتصريح 4 ولذكره لهما (5) وجوه من المعاني:
الأول: يقول: لما نظرت إلى محبة الله تعالى بأن جعل النبي الأعظم صاحب المقام والكمال الأعظم مكيّاً ومدنياً، وجعل قبره في المدينة وإظهار دين الله تعالى وهو في المدينة، وهو خاتم الرسل، وجعل قبلته البيت (6) الحرام، وحكم بكفر من لم يستقبلها في نزول بليّة فرض استقبالها، تيقنت أن لا رسول بعد الرسول المدني وأن لا قبلة غير البيت الحرام، وأنّ منتهى أمر المحبة الإلهية هكذا كان في التدبير، وأن لا كمال إلا كمال الرسول المدنى ولا محبة إلا محبته، وأنه هو بحر المحبة وبحر الكمال، ولمن أفيض عليه منه، من كان قبله أو كان عنده، أو جاء بعده قرب إليه، وقرب [10 ظ] من ربه، وَمَنْ فاتته من هذه المحبة الأحمدية النبوية مكملة من كماله خسر الدنيا والآخرة، وأن لا قبلة غير قبلته لمن جاء بعده.
وأراد في الباطن أن لا توجه إلا إلى توجّهه، فمن (7) توجّه إلى توجهه من كان قبله، أو
(1) في س: [رسوله]. (2) التوبة، الآية 28، وفي الأصل و [س]: [فلا يدخلون]، وهذا من سهو القلم.
(3) [بحرمها] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(4) يقول د. كامل الشيبي معلّقاً على شعر الحلاج: «إنّ هذه الصورة تستمدّ وجود وجودها أساساً. من اللغة الخاصة التي اتخذها الشعر الصوفي لنفسه منذ القرن الثالث، فقارئ شعر الحلاج يلاحظ بوضوح أن اللغة التي استخدمها الحلاج للتعبير عن معانيه الصوفية لغة خاصة ليست كاللغة التي يتداولها الناس، فهي لغة ذات اصطلاحات فنية خاصة»، ينظر شعر الحلاج، ص 391، وينظر كذلك كتاب استقبال النص عند العرب، د. محمد المبارك، ص 143، وما بعدها ففيه تفصيل مفيد عن هذا الموضوع، وهو ما رأيناه في إشارات الشيخ ناصر في المتن، وسيقف عنده
في مواضع قابلة.
(5) يقصد مكة ويثرب.
(6) في س: [بيت الله].
(7) في الأصل: [مَنْ]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمها مع السياق.
140