إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

بالمحبة الإلهية؛ لأنه جعل الساقي له نظرته إلى الحضرة الفعلية من الحضرات الإلهية. فإن قلت: كيف أضاف إلى نفسه أنَّ نظرته هي التي سقته، ولم يضفه (1) إلى الله

تعالى؟

قلنا: ليثبت أن للمرء اختياراً، وإرادة، وأنه لابد أن يكون أول الطلب باختياره وإرادته، ولكن لا يجب السلوك إلى الله إلا بمحبة الله التي يجعلها بقلبه فهو يحبّه لمحبته، فمحبة الله سابقة لقوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (2)، فالمحبة الإلهية التي أوجدها بروحه هي التي لا تطلب إلا رضا الله تعالى في كل شيء، وإن طلب في شيء، أو لم يخلص في كل شيء بانتهاك لما يدين بتحريمه في دين الله أو باستحلال بتأويل ضلال لا يسعه، أو يرى نفسه أنه قويّ المحبة والاجتهاد لله تعالى وهو مخالف له في شيء لا يسعه جزما مع جزماً مع الله تعالى خلافه، ويكون هالكاً عند [12] الله بذلك، فتلك محبة نفسه لا محبة الله تعالى وحرم محبة الله جل وعلا بخلافه [له] (3) في ذلك الذي لم يسعه خلافه، فافهم.

والوجه الآخر أنّه في مقام البداية، وفي مرتبة المريدين لا في مرتبة المرادين المجذوبين، لكنّه وإن كان كذلك فهو يقول: سقتني راحةُ كفّ يد نظرة مقلتي حميا الحبّ الإلهي، نظرت عيني بالمحبة الإلهية التي هي في ذات نفسي الآمرة للعين بالنظر، أي إلى تجلي كامن جمال الحضرة الفعلية الإلهية فأسكرني حبّ جمالها، فكانت أصل النظرة بالمحبة الإلهية التي بذاتي هي الناظرة وبها كان نظر العين ونظرت إلى جمال حضرات الله وجمال محبة أفعال الله، وأشار به أنها، أي المحبة التي بذاتي نظرت بنظر عيني، أنه تجلى له جمال الحضرة الفعلية الإلهية في المحسوسات، وبذلك دلّ على أنه تجلَّتْ له حضرة الأفعال دون حضرات الأسماء؛ لأنه مبتداء، ولو أضافها، أي النظرة إلى الذات لقطع أول السلوك، ولو أضاف السقي إلى الله لترك سلوك المريدين، بل قد أحكم الترتيب، وإيضاح الحق والاحتراز عن الردّ عليه من جهة الأسباب، والاختيار للاختيار بأبلغ حكمة، وأنجز حكمة بأوفر إشارة بأعجز بلاغة، واستعار لنظرة عينه راحة كف يد لها.

(1) في الأصل: [يفضه] بدل [يضفه] وهو تحريف. (2) المائدة، الآية 54.

(3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.

148