إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٥٢العبد لربه، ولو كانت له لذة في المناجاة لشاهد ما يدلّ على تلاشي حجته، ولذهب عنه ما تخيله، ولعله (1) ظنّ أنَّ محبة الله للعبد لا يمكن إلا أن يكون على شبه محبّة البعل لأهله، أو لولده فيكون صحيحاً ما ظنه أنه لا يصح ولا يجوز.
ومحبة الله تعالى هي محبته للكمال، الحقيقي، وإرادته منا لنتخلّق به؛ لأنه هو الذي له الكمال المطلق. والآخرون من هؤلاء القسم لم ينكروا المحبة ولكنَّهم في شغل عنها. والقسم الثاني: أهل المحبة وسلكوا بها طرق المشاهدة فشهدوا الشهود أولاً ثم شهدوا بها المشهود. والقسم الثالث: شهدوا المشهود أولاً، وعرفوا به الشهود آخراً وهم المرادون.
والقسم الرابع: شهدوا المشهود أولاً، وما أرادوا أن يرجعوا إلى الشهود.
وقال في ذلك الشيخ العارف القطب الرباني أبو (2) نبهان.
(المقدمة الرابعة): هو أن تعلم أنَّ التجلي الإلهي هو ظهور معرفته، والمتجلّى عليه بها هو العالم بمعرفة الله تعالى، والمشاهد لها بقوة الحضور، وانفتاح النفس والروح إليها انفتاحاً كلياً، فهي الحضرات له وهي المعرفة وكمالها في المحبة هو الكمال في العلم والعمل والشوق إلى علم معرفة الله تعالى وإلى محبّته له ورضاه عنه، وإلى محبة القُرب إليه، ولو بلغ ما بلغ حق محبّة الله له وحق محبة رضاه عنه، وحتى محبّته مشاهدة جماله وكماله وجلاله، وصفاته، وأفعاله، وجميع معرفته، وحضراته وتجلّي الله بها على ذات المرء لقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (3).
والتجلي الإلهي بالحضرات أكثر من أن تحصى، وتنحصر في قسمين: مقيد، ومطلق. فالمقيد هو أن يتجلى للمرء من حضرات الله فعلاً واحداً، أو اسماً، أو صفة، أو أكثر، ويكون له حد في كثرة ذلك التجلي مثلاً أن ينظر وتنكشف له قدرة في تدبيره في شجرة فينظر قدرة الله تعالى في تلك الشجرة أنه يقسم رزق أوراقها ورقة ورقة، وعوداً
(1) في الأصل و [س]: [ولعلّ]، وما أثبتناه أليق بالسياق.
(2) في الأصل و [س]: [أبي]، وأبو نبهان هو الشيخ جاعد والد الشيخ ناصر صاحب هذا الكتاب، ومرّت ترجمته في
المقدمة.
(3) الأنعام، الآية 91.
152