إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٥٧(الطور الثاني الحبّي هم أهل هذه المرتبة الثانية الذين هم (1) يعبدون الله تعالى للاستحقاق، ولأداء واجب العبودية منهم لحق الربوبية، ولأنّ الله تعالى أوجب عليهم ذلك، ولأنّ الله تعالى في الحقيقة واجبة عبادته، وواجب على من تعبده أن يعبده بما تعبّده، وكلّ شيء في الوجود تعبّده بشيء فأذعن إلا بعضاً من هذا النوع الإنسي والجني تمرد وطغى قبّحه الله تعالى. قال جل وعلا: فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَا أَنَيْنَا طابعين (2)، وقال تعالى: {وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (3)، وقال: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (4) فهي عبادتهنّ لله تعالى، وستأتي مراتب هذا الطور في محلّه إن شاء الله تعالى.
(الطور الثالث الحبّي حبّ المرادين، وسنذكره في محله إن شاء الله تعالى.
بيان
فبدأ الناظم أولاً برؤية مشاهدة المحبوب من تجلّي المحبة الإلهية، وتجلّي جمال الحضرة الإلهية بالمكاشفة في الرؤية النومية، ثم كان الوصال منه بالمشاهدة في وقفة المواقفة بذي طوى من مكة شرّفها الله تعالى في خوف من فوت الحج عليه، وكلّ ذلك على سبيل الترتيب والتمثيل القريب، ثمّ ذكر هنا الاتصال بالنظر العيني الدَّال إلى الاتصال بالمشاهدة إلى التجلي المطلق الفعلي الإلهي دون الذوقي، ودون السماعي، ودون النطق الذي لا يكون إلا شيئاً فشيئاً الدَّال على التجلي المقيد، وإن قال: سقتني، فإن نظره يأتي في كل لحظة ولمحة نظرة إلى السموات والأرض، وإلى كثير مما فيهما، فلو أن ولداً ولد أعمى وأصمّ، ولم ينظر شيئاً ولا سمع شيئاً، حتى كبر وفتح الله له عينه ورأى هذا كلّه في لمحة لخيف عليه الصعق والموت، به، فانظر إلى قوة فهمه وعلمه وبلاغته. ثم قال:
2 - فَأوهَمُتُ صحبي أَنْ شُرْبَ شرابهم به سُرَّ سري في انتشائي بنظرتي
(1) في الأصل و [س]: [الذينهم].
(2) فصلت، الآية 11.
(3) الإسراء، الآية 44. (4) الحشر، الآية 1.
157