إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
الجزء ١ · صفحة ١٥٨يقول: فأوهمت، والوهم التخييل بشيء ليس هو في الحقيقة كذلك، ولكن أراد هنا فأخفيت الذي أسكرني عن صحبي الذين يشربون كاسات المحبة، وهم أصحابي في السكر حتى ظنوا أن شرب شرابهم، أي خمرة حبهم التي يشربونها هو الذي به سُرَّ، أي فرح سري، أي خاطري وقلبي في انتشائي، أي في سكري بنظرتي إلى جمال تلك الحضرة الفعلية الجمال المطلق.
والمعنى أني لما سكرت بتلك النظرة التي نظرت بها جمال الحضرة بتجلي جمالها المطلق على سري، كتمت على صحبي الذي أسكرني فظنّوا أنّي أشرب مثل شربهم، وليس الأمر كذلك؛ لأنهم يشربون من كاسات التجلي المقيد وأنا [قد] (1) كوشفت بالتجلي المطلق، فلم يكن كأسي غير وجه الحضرة المطلقة، والمسكر جمالها، وهو الذي لا ينظره أحد إلا، دهش وفني، وكفى بالنظرة إلى ذلك للإدهاش، ومن أدهشه الجمال فقد سكر، فافهم ذلك.
وأما المقيد فأكثر العقول يحتمله، ولم أكتم ذلك عن حسد منّي لهم، ولكن لأجل أنَّ أمر المكاشفة لله لا للعبد فلا ينفع إظهاري لهم ذلك، وكل هذه إشارات إلى تجلي أفعال الله وجمال أفعاله، وكماله وجلاله في كل شيء حتى تأخذه الدهشة، وتدعوه إلى محبة التصفية الخالصة، ولكل امرئ من المكاشفة في ذلك هو ما علم الله تعالى به أنه كذلك حظه منها، [14]، وكيف لا يدهش مَنْ كَاشَفه الله بعظمة كمال جماله في كل شيء، وجمال يوسف قد أدهش بنص الذكر وهو جمال تدبير الله فيه، وكلّ تدبير من تدبير الله هو في غاية الكمال، فلا شك أنّه من كوشف بجلال الجمال من وجود الدهشة كما دهش موسى حين تجلّى له شيء من كمال جمال القدرة الإلهية فلا ينكر إلا المحجوب، وكفى له ذمّاً بقوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ (2)، واعلم أنَّ موسى العليا لم يسأل ربه أن يريه ذاته؛ لأنه نبي، وعليم بصفات الله تعالى (3)، وأنه ليس هو شيء يُرى أصلاً فليس بجسم، ولا بجوهر، ولا عرض ولا بروح، ولا بمعنى؛ لأنه لو كان معنى لكان المعنى هو الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فلا يعرف هو إلا هو، ولا يوصف ذاته بماهيته، ولا كيفيته،
(1) ما بين المعقوفين ساقطة من س. (2) يونس، الآية 39.
(3) ما سيأتي كلام نفيس في نفي الرؤية، وهو ما ينسجم تماماً مع فكر الشيخ الله.
العلمية لا
158