إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

ولا إنّيته، ولا كان بعد زمان ولا مكان، مع تحققه بعلم توحيده، ولسنا بأعلم منه ونحن ندري هذا فكيف هو، ولكن سأل ربه تعالى ليتجلّى عليه ببعض آيات كماله في قدرته فيرى ذلك بعينه، ولم يسأل كما سأل إبراهيم ال أن يريه آية من قدرته في شيء عينه يحتمله فقال: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى (1)، وأما موسى فقال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (2)، أي إلى كمالك في صفاتك كلها التجلّي تجلّى بها في الوجود فقال له تعالى: {لَن تَركيني (3) أي لن تقدر على ذلك يا موسى؛ لأنَّ كمالي بلا نهاية، ومتى أريتك كمال صفة من صفاتي ببعض الظهور لتجلّي بها على الجبل، وهي قدرتي فإن استقر مكانه، واحتمل الجبل مع تجلّي قدرتي عليه فسوف تراني، أي ترى من كمال قدرتي، وإن لم يستقر الجبل فلا يدرك عقلك أن يثبت ما أفعل بالجبل ويندهش ولا ترى من كمال قدرتي في ذلك كما تجلّى حسن يوسف على النسوة من أول نظرة نظرته، فلم يمكنهنَّ من النظر إلى جماله، وجمال محجوب عن الخلق أن ينظر في كلّ نظرة لا بحجاب من ثياب كما ظنّه بعض العوام، وإنّما حجاب كوني من الله تعالى، أي لا تتجلّى أنوار جماله، إلا لآية يريد الله إظهارها لعباده، فإذا أظهرها زاغت عقول الناس جميعاً، كذلك موسي لما تجلّى ربّه بقدرته على الجبل، وجعله دكّا بقدرته لم يدرك موسى غير أول نظرة، ولم يتمكن فيها حتى ينظر الآية كلّها في الجبل، وخرّ موسى صعقاً، فلو تجلّى على عقل موسى ذلك التجلّي لتلاشى موسى، وصار غير شيء، بل رجع إلى الجزء الذي لا يتجزأ كما يرجع السحاب لا شيء، وإذا كان بهذا التجلّي المقيّد لم يطق موسى فكيف إذا دُكّت الأرض دكّة واحدة؟ فكمال الله وقدرته لا نهاية لها، ولو أراه أنَّه دلّ الوجود دكّة واحدة لكانت هذه آية مقيّدة بالوجود، وكمال الله غير مقيد ولا يعرف جمال جلاله، ولا جلال جماله، ولا جلال، ولا جمال كماله إلا هو، وإنما عرف بحق المعرفة قدر ما تجلى من العلم به على خلقه.

جميع

ولم يدهش بآية خلق السموات والأرض، وأنها لأعظم ظهوراً ولكن من عادة النفس لا تدهش بالمألوف إلا مَنْ كاشفه الله فاخترقها فكانت هى الحاجبة بألفتها، والشاغلة عن شهود المشهود بشهودها مع أنها هي الدليل على معرفة الله جل وعلا.

(1) البقرة، الآية 260.

(2) الأعراف، الآية 143. (3) الأعراف، الآية 143.

159